فهد قريان الهاجري يكتب لـ “درة”| احترام العقول وصناعة الفرص

الأمم العظيمة لم تصل إلى ما وصلت إليه بالصدفة ولم تبن حضارتها على الموارد والإمكانات فقط بل بنت نجاحها على احترام الإنسان والاستثمار في العقول واحتضان الأفكار ومنح الفرص لأصحاب الطموح. فكل إنجاز كبير نراه اليوم كان في بدايته فكرة صغيرة آمن بها شخص واحد ثم وجد من يستمع إليه ويمنحه الثقة والدعم حتى تحولت فكرته إلى واقع يخدم الناس ويصنع الأثر.
ومن خلال تجارب الحياة والعمل والمشاركة المجتمعية أدركت أن أكبر التحديات التي تواجه أصحاب المبادرات والأفكار ليست دائماً نقص الإمكانات أو قلة الموارد بل أحياناً تكون في النظرة السريعة للأفكار أو التقليل من شأنها أو الحكم عليها قبل منحها فرصة عادلة للنقاش والدراسة والتطوير. فكثير من الأفكار المميزة انتهت قبل أن تبدأ لأنها لم تجد من يؤمن بها أو يمنحها فرصة حقيقية للظهور.
إن القائد الناجح لا يقاس بعدد القرارات التي يتخذها بل بقدرته على اكتشاف الطاقات من حوله والاستفادة من خبراتهم وأفكارهم. فالقائد الذي يحيط نفسه بالأشخاص الذين يوافقونه الرأي فقط قد يكسب الراحة لكنه يخسر الإبداع. أما القائد الذي يفتح الباب للأفكار المختلفة ويشجع المبادرات ويمنح الثقة لمن حوله فإنه يصنع بيئة عمل منتجة قادرة على التطور والنمو المستمر.
ومن أعظم الأمثلة في تاريخ القيادة ما حدث في غزوة الأحزاب عندما أشار الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق حول المدينة. كانت الفكرة جديدة وغير مألوفة عند العرب في ذلك الوقت. ومع ذلك لم يرفضها النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينظر إلى مصدرها بل نظر إلى قيمتها وفائدتها وأثرها. فاستمع إليها وأخذ بها وأصبحت بعد توفيق الله سبباً من أسباب حماية المدينة وتحقيق النصر.
هذا الموقف العظيم يختصر معنى القيادة الحقيقية. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد بالوحي يستمع إلى الرأي ويأخذ بالمشورة ويمنح الآخرين مساحة للمشاركة فإن المؤسسات والجهات اليوم أحوج ما تكون إلى ترسيخ ثقافة الحوار واحترام العقول والاستفادة من جميع الأفكار دون استثناء.
وقد قيل قديماً إن الفكرة الواحدة قد تبني مدينة وإن تجاهل فكرة واحدة قد يضيع فرصة لا تتكرر. ولهذا كانت الحضارات الناجحة عبر التاريخ حريصة على احتضان المبدعين والمفكرين وأصحاب المبادرات لأنها تعلم أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة وتأثيراً.
إن الشباب اليوم يملكون أفكاراً وطموحات ومشاريع قادرة على خدمة أوطانهم ومجتمعاتهم في مختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتقنية. وما يحتاجونه في كثير من الأحيان ليس أكثر من شخص يؤمن بقدراتهم ويمنحهم الفرصة ويشجعهم على المحاولة والتجربة والتطوير. فالفشل في بعض التجارب ليس نهاية الطريق بل جزء من رحلة النجاح والتعلم.
كما أن الكلمات لها أثر كبير في صناعة المستقبل. فكلمة تشجيع واحدة قد تدفع صاحب فكرة إلى الاستمرار حتى يحقق إنجازاً عظيماً بينما قد تؤدي كلمة إحباط أو استهزاء إلى إغلاق باب من أبواب الإبداع. ولذلك فإن المسؤولية لا تقع على القادة فقط بل على كل من يعمل في بيئة تؤمن بالتطوير والنجاح.
إن احترام العقول ليس شعاراً يرفع ولا عبارة تكتب في الخطط والاستراتيجيات بل ثقافة وممارسة يومية تبدأ بالاستماع وتنتهي بالتمكين. فالأفكار تصنع الفرص والفرص تصنع الإنجازات والإنجازات تصنع الأوطان القوية.
ولهذا فإن المؤسسات الأكثر نجاحاً ليست بالضرورة تلك التي تملك أكبر الميزانيات أو أحدث المباني بل تلك التي تعرف كيف تستثمر في الإنسان وتحترم فكره وتحتضن مبادراته وتمنحه الثقة ليبدع ويبتكر ويصنع الفرق. فكل فكرة ناجحة كانت يوماً ما مجرد حلم وكل مشروع عظيم بدأ بخطوة وكل إنجاز تاريخي انطلق من عقل وجد من يقدره ويحترم
يؤمن به.