حمود الصهيبي يكتب لـ “درة”| قراءة في مجموعة “غواية المساء” لأحمد العليو

بقلم / حمود الصهيبي  

جاء الإهداء: “إلى الأحساء”، وهنا لم يُهدِ الكاتب إلى الأحساء كفكرة مجرَّدة، بل أهدى إليها بوصفها فضاءً حكائياً. وكأنه يقول للقارئ: “هذه الأماكن ليست مجرد مواقع على الخريطة، بل شخصيات في قصصي، وهي التي شكّلت وجدان حكاياتي.” لقد منح المكان مركزية درامية، وكأنه يؤكد: “الأحساء ليست خلفية، بل شريكة في كتابة القصص.”
أمّا عتبة النص، فقد اختار الكاتب أحمد العليو عنواناً رئيساً للمجموعة: “غواية المساء”، وهو العنوان نفسه للقصة الرابعة “غواية الليل”، الذي يشي بسحر الليل وفتنته. غير أن المساء في قصص العليو ليس فاتناً فقط، بل فضاء للرغبات المكبوتة، والهواجس، والمخاوف. وحتى عناوين القصص الفرعية: “العسو”، “الرهان”، “الشيطان”، “سخريّة القمر”، تحمل دلالات متعددة وتفتح آفاقاً تأويلية.
وتنوَّعت الأصوات في المجموعة القصصية؛ ففي قصة “العسو” الراوي طفل، وفي “غواية الليل” راوٍ هو شاب مراهق، وفي “الخازوق” الراوي معلم، وفي “الجريمة” الراوية امرأة. وهذا تنوُّع يمثّل تحدياً إبداعياً يمنح المجموعة تعدداً صوتياً، ويكسر النمط الأحادي، مما يثري التجربة القرائية.
وهي مجموعة تجرؤ على نبش الجروح الاجتماعية والنفسية في مجتمع يبدو ساكناً من الخارج ككل المجتمعات ، وتقدّم عالماً سردياً خاصاً، ينساب بين الواقعي والرمزي، حيث تتداخل الحكايات اليومية مع الأسئلة الوجودية الكبرى. تبدو المجموعة وكأنها لوحة فسيفسائية تعكس تفاصيل الحياة في مجتمع خليجي، بأفراده المتعددين: الطفل، المراهق، الشاب، المعلم، السجين. كلٌ يحمل همَّه وصراعه. المجتمع هنا يبدو هادئاً من الخارج، لكنه مفعم بالاضطراب والتناقضات من الداخل. يقدّم الكاتب رؤية لا تخلو من مرارة، لكنها مرارة مشروعة، تنبع من وعي عميق بتناقضات الحياة. إنه صوت سردي واعد، قادر على التقاط تفاصيل الحياة في زواياها المظلمة والمضيئة معاً.
يرسم الكاتب مشاهدَه بريشة دقيقة؛ ففي قصة “العسو” تتحول أدوات الضرب إلى كائن حي يئن ويبكي، وفي “الرهان” تتجسّد رائحة الكراعين لتغزو الأنف وتُثير الغثيان. هذه الحسية المفرطة ليست ترفاً جمالياً، بل وسيلة لتجسيد المعاناة والوصول إلى جوهر التجربة الإنسانية. وينتقل الكاتب إلى تقنية “تيار الوعي” في كثير من قصصه، متتبعاً خيوط الأفكار المتشابكة، خصوصاً في مشاهد العنف الأسري والضياع الوجودي، مازجاً الحوار الداخلي بالوصف الخارجي، ليخلق نسيجاً سردياً كثيفاً يعكس تعقيد الشخصيات وانشطارها. ويوظِّف ثنائيات متضادة تمنح النص عمقاً درامياً؛ ففي قصة “الشيطان” ينكشف الوجه الآخر للشخصيات الموقَّرة: فالحجي “أبو محمد”، الذي يلهج بذكر الله ويحظى بتوقير الجميع، يُفاجئنا بمشهد صادم وهو راكبٌ…، وفي قصة “خازوق” يتحول المعلم، الذي يُفترض أن يكون قدوة، إلى وحش ضارب. هكذا تقترب المجموعة من جلد الذات المجتمعي، وتكشف النفاق الكامن خلف الأقنعة الاجتماعية.
لغة العليو شاعرية، تميل إلى التكثيف والإيحاء,والجمل قصيرة أحياناً، متقطعة، تعكس حالة التوتر والقلق التي تعيشها الشخصيات, ويميل إلى الاستعارات المبتكرة: “الخيوط تربط شفتي أبي”، و”جدار عازل قصير أمامنا تستلقي عليه الطلبات”. تتلاحم الصور البصرية والسمعية والشمية لتخلق عالماً حسياً متكاملاً.
ما فعله الكاتب في هذه المجموعة هو عمل توثيقي إبداعي؛ إذ حفظ هذه المفردات من الاندثار، وأعادها في سياق أدبي جعل منها شخصيات موازية. فـ”المَصْطَبَة”، في ثقافة الأحساء، مكان الألفة واللقاء والمراقبة. و”الزَّبِيل”، وعاء كبير من سعف النخيل يُستخدم لحمل الرطب أو التبن أو الحطب، وما زال جزءاً من الأدوات الزراعية والمنزلية اليومية. وحمل الزبيل على الرأس مشهد تراثي أصيل في الأحساء، حيث كان الفلاحون والنساء يحملون المحاصيل على رؤوسهم. و”السِكَّة”، بكسرة السين، تعني في لهجة الأحساء الطريق الضيق بين البيوت. و”العسو”، هو عود النخلة بعد نزع البسر أو الرطب، أي الجذع الجاف للعرجون بما تبقى من الشماريخ (الفروع الصغيرة)، وقد كان يُستخدم كأداة منزلية متعددة الأغراض. بهذه المفردات، يصنع العليو معجماً حكائياً خاصاً، يمنح نصوصه نكهة محلية أصيلة، ويربطها بتاريخ المكان وذاكرته الجمعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى