التدريب… الاستثمار الذي لا يخسر

ليست كل الاستثمارات تُقاس بالأرقام، فهناك استثمار يغيّر الإنسان قبل أن يغيّر واقعه، ويصنع العقول قبل أن يصنع الإنجازات، إنه التدريب.
التدريب ليس قاعة تُلقى فيها المعلومات، ولا شهادة تُعلّق على الجدران، بل رحلة تبدأ باكتشاف الذات، وتنتهي بصناعة أثر يمتد إلى الآخرين. فكل مهارة تُكتسب، وكل تجربة تُمارس، تُضيف لبنة جديدة في بناء الإنسان، وتمنحه الثقة ليصبح أكثر قدرة على العطاء والقيادة.
وتزداد قيمة التدريب عندما يصل إلى الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، فهو لا يقتصر على تنمية المهارات فحسب، بل يفتح أبوابًا للاستقلالية، ويعزز الثقة بالنفس، ويمنح الكفيف الأدوات التي تمكنه من المشاركة الفاعلة في المجتمع، والمنافسة في مختلف المجالات. فالمكفوف لا يحتاج إلى الشفقة بقدر حاجته إلى فرصة تدريبية حقيقية تؤمن بقدراته وتستثمر إمكاناته.
وقد لمست هذا الأثر عن قرب خلال مشاركتي في دورة تدريب المدربين (TOT) التي نظمتها جمعية همة كفيف بالشراكة مع المعهد السعودي العالي للتدريب، حيث كانت تجربة ثرية جمعت بين التأصيل العلمي والتطبيق العملي، وأسهمت في تطوير مهارات العرض والإلقاء، وتصميم الحقائب التدريبية، وإدارة الجلسات التدريبية باحترافية. وكانت الدورة رسالة واضحة بأن الاستثمار في تدريب المكفوفين هو استثمار في طاقات قادرة على التعليم والتأثير وصناعة المبادرات.
ما يميز التدريب الحقيقي أنه لا يكتفي بتطوير الفرد، بل يصنع أشخاصًا قادرين على نقل المعرفة وإلهام الآخرين. وعندما يحصل الأشخاص ذوو الإعاقة البصرية على فرص تدريبية نوعية، فإنهم لا يثبتون قدرتهم على التعلم فحسب، بل يبرهنون أنهم قادرون على القيادة، وصناعة التغيير، والإسهام في بناء مجتمع أكثر شمولًا وتمكينًا.
إن بناء الإنسان يسبق بناء أي مشروع، وتأهيل الكفاءات يظل الركيزة الأولى للتنمية المستدامة. ومن هنا تأتي أهمية البرامج التدريبية النوعية التي تستثمر في الإنسان، وتؤمن بأن المعرفة عندما تقترن بالممارسة تتحول إلى أثر يبقى، ورسالة تستمر، وقيمة تتجدد في كل من يتلقاها.
إن ما خرجت به من هذه التجربة لم يكن شهادة تدريب فحسب، بل قناعة راسخة بأن المدرب الحقيقي لا ينقل المعلومات، وإنما يصنع التغيير، وأن تدريب المكفوفين ليس خدمة تُقدَّم لهم، بل استثمار في قدراتهم، وإيمان بأنهم شركاء في التنمية، وقادرون على صناعة الأثر متى ما أُتيحت لهم الفرصة.