حكاية جيل هزّ الملاعب الترابية

بقلم / أ . ثويني النجباني  

بين الشوارع القديمة، حيث البساطة هي سيدة الموقف، والوقت يمر هادئاً بطيئاً، لم يكن هناك صخب التكنولوجيا ولا تعدد وسائل الترفيه. كان الحال بسيطاً: لا شغل يشغل الشباب، ولا ترفيه يملأ فراغهم إلا ساحرة مستديرة تدور بين الأقدام وتدور معها قلوب وعقول الشباب.

في عام 1401 هـ وما قبلها من تلك الحقبة الزمنية الجميلة، انقسم شباب ( طلعة التمياط ) وهي مدينة تقع في شمال مملكتنا الغالية انقسموا إلى قطبين، وكأنهم يسطرون تاريخاً مصغراً للكرة الأرضية في مساحة ملعب ترابي. من جهة، تكتل مجموعة من الشباب ليؤسسوا “فريق الشمال”، يحملون في اسمهم الأمل والحيوية. وفي الجهة المقابلة، نهض “فريق الربيع” بروح التحدي والصلابة والندية.

لم تكن مباريات “الشمال” و”الربيع” مجرد تسعين دقيقة تنتهي بصفارة حكم؛ بل كانت بمثابة “ديربي” حارق يضاهي في إثارته وحماسه اكبر كلاسيكيات الكرة الكبرى
كانت الأجواء المشحونة تبدأ قبل المباراة بأيام:
التحديات الشفهية: تمتلئ المجالس وجلسات الحارات بالنقاشات الحادة والرهانات البسيطة.
تجهيز الملاعب: يتم تخطيط الملعب الترابي بالجبس الأبيض بجهد ذاتي، وتُنصب المرامي الخشبية وكأنها مسرح لمعركة مصيرية.
الجمهور الوفي: لم يكن هناك مدرجات، لكن جنبات الملعب كانت تكتظ بالكبار والصغار، يشجعون بحرقة وينفعلون مع كل هجمة.

“كانت كرة القدم بالنسبة لهم أكثر من مجرد لعبة؛ كانت مسألة كبرياء واعتزاز بالذات في زمنٍ كانت فيه الكرة هي المتنفس الوحيد.”

حين يلتقي الفريقان، ينسى الأصدقاء صداقتهم لبعض الوقت داخل المستطيل الترابي. تتصاعد الأتربة، وتتعالى الصرخات، وتتحرك المشاعر مع كل هدف يُسجل. كانت الأهداف بمثابة إعلان انتصار يستمر صداه لأسابيع قادمة، يعيش فيه الفريق الفائز نشوة النصر، بينما يترقب المهزوم جولة الرد بفارغ الصبر.
لكن تلك الندية الشرسة كانت تذوب تماماً مع آخر صفارة للحكم؛ فعند نهاية المباراة، ينفض غبار المعركة الكروية، ويجتمع الفريقان مساءً بمطعم ” العروبة ” وكأن شيئاً لم يحدث. هناك، فوق الطاولات البسيطة ووسط ضحكات القلوب الصافية، تتجلى الروح الرياضية العالية والمحبة الأخوية الصادقة التي كانت تجمعهم، لتثبت أن ما يربط أبناء « طلعة التمياط » أعمق بكثير من مجرد تنافس عابر .
اليوم، تقدم بنا العمر وتغيرت ملامح الحياة، ودخلت وسائل الترفيه الحديثة من أوسع الأبواب، وتعددت المشاغل. لكن، ورغم كل هذا الصخب الحديث، يظل الحنين يشدنا إلى ذلك الزمان.
يبقى “فريق الشمال” و”فريق الربيع” رمزاً لزمن النقاء، يوم أن كانت السعادة تُشترى بكرة قدم، ويوم أن كان ديربي الطلعة يوازي في قيمته أكبر بطولات العالم. إنها حكاية جيل لم يملك الكثير، لكنه صنع من القليل ذكريات لا تموت.

واليوم، لا تقف هذه الحكاية عند حدود الذاكرة؛ بل تجسدت ملاحم الماضي الجميل في لفتة وفاءٍ كريمة وأبوية من الشيخ فيصل مشل التمياط، الداعم الأول والقلب النابض لشباب “طلعة التمياط”.
ففي بادرة تُعيد الروح لتلك الأيام الخوالي، قام الشيخ بجمع شمل القطبين وتكريم الفريقين في احتفالية كروية استثنائية، احتضنت مباراة تاريخية جمعت قدامى “فريق الشمال” و”فريق الربيع”.
وقد أضفى حضور الشيخ فيصل الشخصي على هذا اللقاء دفئاً وهيبة، ليعيد بوجوده رسم ملامح ذلك الزمن النقي، مؤكداً أن حبال المودة التي فُتلت على تلك الملاعب الترابية لا تقبل الانقطاع، وأن جيل الأمس سيظل ملهمًا لجيل اليوم في العطاء، والروح الرياضية، والوفاء الذي لا يمحوه الزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى