العملات الرقمية والاحتيال الإلكتروني… هل حان الوقت لتشريع دولي موحد؟

شهد العالم خلال السنوات الأخيرة انتشارًا واسعًا للعملات الرقمية، وأصبحت جزءًا من الاقتصاد الرقمي العالمي، إلا أن هذا التطور صاحبه ارتفاع ملحوظ في جرائم الاحتيال الإلكتروني والمنصات الوهمية والاستثمارات المزيفة، التي أوقعت آلاف الضحايا حول العالم في خسائر مالية جسيمة.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن هذه الجرائم غالبًا ما تكون عابرة للحدود، فقد يكون الجاني في دولة، والخادم الإلكتروني في دولة أخرى، والضحية في دولة ثالثة، بينما تمر الأموال عبر منصات ومحافظ رقمية متعددة، مما يجعل إجراءات الضبط والتحقيق واسترداد الأموال أكثر تعقيدًا.
ورغم وجود قوانين وطنية في عدد من الدول تجرّم الاحتيال الإلكتروني وغسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، فإن اختلاف التشريعات بين الدول، وتفاوت إجراءات التعاون القضائي، يتيح لبعض المجرمين استغلال هذه الفجوات القانونية والانتقال بين الدول أو استخدام منصات لا تخضع لرقابة كافية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى اتفاقية دولية متخصصة في الجرائم المرتبطة بالأصول الرقمية، تتضمن:
• توحيد تعريف الجرائم الإلكترونية المرتبطة بالعملات الرقمية.
• إلزام منصات تداول الأصول الرقمية بالتحقق من هوية العملاء والإبلاغ عن العمليات المشبوهة.
• إنشاء آلية دولية سريعة لتجميد المحافظ الرقمية المشتبه بها قبل نقل الأموال أو إخفائها.
• تسهيل تبادل المعلومات بين أجهزة إنفاذ القانون والنيابات العامة والسلطات القضائية.
• تسريع إجراءات تسليم المطلوبين في جرائم الاحتيال الإلكتروني.
• إنشاء قواعد بيانات مشتركة للحسابات والمنصات والمحافظ المستخدمة في عمليات النصب.
• تشديد العقوبات على العصابات المنظمة التي تستغل التقنيات الرقمية في الاحتيال وغسل الأموال.
كما أن التوعية المجتمعية تمثل خط الدفاع الأول، إذ إن كثيرًا من الضحايا يقعون في عمليات نصب بسبب الوعود بأرباح خيالية أو استثمارات مضمونة لا تستند إلى نشاط اقتصادي حقيقي.
ولا يجوز التعميم بأن جميع العملات الرقمية تعد قمارًا أو احتيالًا، فهناك استخدامات مشروعة لتقنية البلوك تشين والأصول الرقمية في بعض الدول، إلا أن غياب الرقابة أو استغلال هذه التقنية في عمليات احتيالية يفرض على المجتمع الدولي تطوير منظومة قانونية أكثر كفاءة، تحقق التوازن بين دعم الابتكار وحماية الأفراد من الجرائم الإلكترونية.
إن التطور التقني تجاوز الحدود الجغرافية، ولذلك يجب أن تتجاوزه أيضًا التشريعات، من خلال تعاون دولي فعال يضمن سرعة الملاحقة القضائية، وحماية الضحايا، واسترداد الأموال، وتجفيف مصادر الجريمة الإلكترونية.