ديمة الشريف تكتب لـ “درة”| أكواب الحنين: حين يسافر “نمق” بـ “جيل الطيبين” إلى مرافئ الطفولة

عمر الصورة في أرشيف صورة الذكريات فهي كانت في السادس عشر من أغسطس عام ٢٠٢٤، لم يكن ارتشاف القهوة مجرد طقس يومي عابر في كافيه “نمق”، بل كان تذكرة عبور استثنائية، رحلة مدهشة عبر الزمن ارتدت ثوب النوستالجيا لتسافر بأرواحنا إلى سنوات البراءة الدافئة.
لقد أدرك “نمق” بذكائه الحسي ولفظه العذب كيف يلمس أوتار القلوب، فصنع توليفة غمرت الحاضر بعبق الماضي، مخصصاً لفتة استثنائية لجيل التسعينات؛ ذلك الجيل الذي يقف بحنينه على أعتاب ذكريات طفولته البريئة.
كانت البداية عند منصة الطلب، في شرطٍ يحمل في طياته دفقاً من الطرافة والبهجة البالغة؛ “إبراز الهوية الشخصية للكاشير” قبل نيل المراد. لم يكن الإجراء روتينياً جافاً، بل كان بمثابة فحص لانتماء الروح إلى زمن “الطيبين”، وكأن بطاقة الهوية هي صكّ الدخول إلى واحة الذكريات. هناك، خلف الأرقام وتواريخ الميلاد، كانت تختبئ ملامح طفولة غضة تشبعت برسوم الكرتون القديمة، وألعاب الحارة البسيطة، والقصص التي لم تبارح الوجدان.
وما إن تقع عين الموظف على تلك السنين العتيقة، حتى تبتسم الملامح لتبدأ تفاصيل الحكاية.
حين استقرت الأكواب بين الأيدي، لم تكن تحوي قهوة فحسب، بل كانت تفيض بجرعات مكثفة من الحنين والأمان الاستثنائي. والمقهى مكتظ بأكمله بـ “أقران العمر”، وجوه تتشابه في ملامح نشأتها وتتشارك ذات الإرث الشعوري والوجداني. في كل زاوية من “نمق”، كان يجلس فرد من هذا الجيل الكريم، المغمور باللطف والحب العفوي، جيل تربى على الشهامة والرحمة وتبادل التحايا الصادقة.
غصت القاعة بأحاديث دافئة، وضحكات خافتة مسترجعة صدى المذياع وشاشات التلفاز القديمة، لتتحول رشفات القهوة إلى مواساة حقيقية، واحتفاء جماعي بقلوب كبرت ولم تفقد طهرها البكر.
كل الشكر والامتنان لكوفي “نمق” الذي لم يقدم في ذلك اليوم منتجاً تجارياً، بل قدم تجربة إنسانية حانية وجبراً لخواطر أرهقتها التزامات الكبار؛ مبادرة ذكية أعادت لـ “جيل التسعينات” هيبته العاطفية، وجمعتهم تحت سقف واحد ليقولوا للعالم: نحن هنا، ما زلنا نحمل في قلوبنا ذات البراءة، وذات الحب، وذات اللطف المغمور بالخير.