مبارك البوادي يكتب لـ “درة”| الناس لا يريدون الصريح!

بقلم/ مبارك البوادي  

يقولون: “قل الحقيقة ولو على نفسك”… لكن يبدو أن هذه العبارة تُقال في حصص التعبير فقط، أما في الحياة الاجتماعية فالوضع مختلف تمامًا!
الصريح هذه الأيام يعيش حياةً صعبة، فإذا قال الحقيقة قيل عنه: “حادّ”، وإن سكت قالوا: “متكبر”، وإن ابتسم بعد الصراحة قالوا: “يستهزئ”! حتى أصبح الصريح كحارس المرمى؛Flow مهما فعل فالهدف يدخل في مرماه!
أما صاحب اللف والدوران، فهذا نجم المجالس بلا منازع. يدخل المجلس بكلمة، ويخرج منها بكلمة أخرى، ويستطيع أن يجعل الأبيض رماديًا، والأسود “حسب وجهة النظر”! يوافق الجميع، ولا يغضب أحدًا، فيخرج محمولًا على الأكتاف وكأنه أنجز فتحًا عظيمًا.
الغريب أن الناس يعرفون أنه يغيّر كلامه حسب اتجاه الريح، ومع ذلك يحظى بالترحيب والتكريم والتصفيق، وإذا اختلف اثنان جعلوه حكمًا بينهما، وكأن الحقيقة لا تسكن إلا في جيبه!
أما الصريح، فإذا قال: “هذا خطأ”، قامت الدنيا ولم تقعد. يتهمونه بقلة الذوق، وضعف الدبلوماسية، وعدم فهم النفسيات، وكأن الصراحة أصبحت تهمة تحتاج إلى محامٍ للدفاع عنها.
والأعجب أن كثيرًا من الناس يطالبونك بالصراحة، فإذا صارحتهم أغلقوا أبوابهم، ثم قالوا للناس: “فلان تغيّر علينا!” بينما الحقيقة أنه لم يتغير، بل قرر أن يتحدث بلسانه بدل أن يتحدث بما يريد الآخرون سماعه.
ومع ذلك، يبقى الرجل الصريح والمرأة الصريحة من أجمل الشخصيات في المجتمع. قد لا يجيدان تزيين الكلمات، لكنهما يجيدان احترام العقول. لا يبيعان الوهم، ولا يوزعان المجاملات على حساب الحقيقة، ولا يغيّران مواقفهما مع تغيّر الوجوه.
الصريح قد يخسر تصفيقًا مؤقتًا، لكنه يكسب احترامًا دائمًا. أما صاحب الكلام المطاطي، فقد يكسب المجلس اليوم، لكنه يخسر الثقة غدًا.
لذلك، إذا وجدت رجلًا أو امرأة يتحدثان بصدق، فتمسك بهما؛ فالصراحة أصبحت عملة نادرة، بينما المجاملة المبالغ فيها متوافرة أكثر من إشارات “أنا تحت أمرك” التي تختفي عند أول اختبار!
وفي الختام… لو كانت الصراحة تُكرَّم كما تُكرَّم المجاملة، لامتلأت المنصات بأهل الصدق، ولكن يبدو أن بعض الناس لا يريدون الحقيقة… بل يريدون نسخةً منها بعد أن تُغلَّف بورق الهدايا وتُربط بشريط من المجاملات!
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى