القصاص ليس اسماً للقتل

توجد مغالطة شائعة بين عامة الناس، ولا ضير في أن يقع العامي في مثل هذه المغالطات، إلّا أنها من الأبجديات التي ينبغي أن يعرفها من شرع في دراسة القانون أو الشريعة، ولكني -ومع شديد الأسف- وجدت كثيراً ممن درسوا القانون أو الشريعة، بل وحتى ممن عملوا في مجال المحاماة من قريبٍ أو بعيد، يقعون في المغالطة ذاتها.
وهي إطلاق مسمى “القصاص” على جميع أحكام القتل الصادرة من المحاكم السعودية.
ولعل سبب هذه المغالطة أن تنفيذ بعض أحكام القتل ارتبط في أذهان الناس بقطع الرأس بالسيف، فاختلط عليهم “القصاص” بـ”القص”، فصار يُقال حُكم عليه بـ “القصاص”، إلّا أن القصاص ليس اسماً لطريقة تنفيذ حكم القتل، وإنما هو وصفٌ لسبب الحكم وأساسه الشرعي.
وأحكام القتل -من حيث سبب العقوبة ووصفها- تكون: قصاصاً، أو حداً، أو تعزيراً، والفرق بينها لا يتعلق بطريقة التنفيذ، وإنما بالأساس الشرعي والنظامي الذي أوجب العقوبة.
وسنوجز الفرق بينها في الآتي:
1- القصاص:
وهو أول هذه الأنواع، ولعل أهم ما يميزه أن الحق فيه للمجني عليه أو أولياء دمه بحسب الحال، فلهم المطالبة بالقصاص، ولهم وحدهم العفو أو الصلح عنه.
والقصاص لا يقتصر أصلاً على القتل، بل يكون في النفس وفيما دون النفس، كما قال تعالى:
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
وبالتالي فإن القصاص قد يكون فيما دون النفس، أي أن القصاص لا يعني قتل المحكوم عليه أو قطع رأسه، وإنما هو سبب العقوبة ووصفها.
2- الحدّ:
والحد أيضاً ليس مرادفاً للقتل، فالحدود عقوبات مقدرة شرعاً، منها ما يكون في النفس في بعض الأحوال، ومنها ما يكون فيما دون النفس.
ومن أمثلتها حد الحرابة الذي قد يصل في بعض صوره إلى القتل، وحد القذف الذي تكون عقوبته دون ذلك.
والمهم في موضوعنا أن من يُحكم بقتله حداً لا يصح أن يقال انه محكومٌ بـ “القصاص” لأن لكل منهما سبباً ووصفاً شرعياً مختلفاً، وإن انتهيا في بعض الحالات إلى النتيجة ذاتها وهي القتل.
3- التعزير:
أما التعزير فهو العقوبة التي لم يقدر الشرع لها عقوبةً معينة بذاتها، وإنما تقدر بحسب الجريمة وخطورتها وظروفها، في إطار الأحكام الشرعية والأنظمة المرعية.
والعقوبات التعزيرية ليست محصورةً في القتل، بل تتفاوت بحسب الجريمة، فقد تكون بالسجن أو الغرامة أو غيرهما، وقد تبلغ في بعض الجرائم شديدة الخطورة القتل تعزيراً.
ومن أشهر الأمثلة على ذلك بعض جرائم تهريب المخدرات وترويجها، التي قرر النظام في حالاتٍ محددة عقوبة القتل تعزيراً.
وبالتالي، فإن من نُفذ فيه حكم القتل تعزيراً لم يُقتل قصاصاً، حتى وإن كانت طريقة تنفيذ الحكم هي ذاتها.
وختاماً فإن القصاص والحد والتعزير ليست مسميات لطرق تنفيذ العقوبة، وإنما هي أوصاف للأسباب التي بُني عليها الحكم. وعليه؛ فليس كل من نُفذ فيه حكم القتل مقتولاً قصاصاً، وإن كان الخلط بينهما مقبولاً من العامي، فمن غير المقبول أن يقع فيه من درس القانون أو الشريعة.