مع من يطمئن القلب؟

بقلم/ امل بازيد  

نبحث في حياتنا عن أشياء كثيرة نظن أنها ستمنحنا السعادة؛ عن الحب والنجاح والانتماء والاستقرار، وعن أشخاص نشعر بقربهم أن الطريق أقل وحشة. لكننا، بعد تجارب كثيرة، قد نكتشف أن خلف معظم ما نبحث عنه حاجة أكثر عمقًا وهدوءًا: الأمان.

فليس كل من أحببناه شعرنا معه بالأمان، وليس كل من اقترب منا استطعنا أن نكون أمامه على حقيقتنا. قد نكون محاطين بالمحبة، ومع ذلك نزن كلماتنا، ونخفي بعض مشاعرنا، ونتردد قبل البوح؛ خشية أن يُساء فهمنا، أو أن تتحول لحظة ضعف صادقة إلى جرح مؤجل.

الأمان ليس مجرد غياب الخوف، بل حضور السكينة؛ أن تستطيع التعبير عن نفسك دون أن ترتدي قناع القبول، وأن تعرف أن نقصك الإنساني لا ينتقص من قيمتك، وأن تكون كما أنت دون أن تخشى أن تتغير مكانتك لأن حقيقتك ظهرت.

لكن قبل أن نبحث عن الأمان في الآخرين، علينا أن نسأل: من أين يبدأ؟

يبدأ من صلتنا بالله؛ فالإنسان مهما أحاط نفسه بمن يحب، سيظل أمام أقدار لا يستطيع أحد أن يضمنها له. أشخاص يتغيرون، وأبواب تُغلق، وأشياء نتمسك بها ثم تفلت من أيدينا.

لذلك فإن أعمق الأمان ليس في ضمان ثبات الحياة، بل في اليقين بأن لنا ربًا لا تتبدل رحمته بتبدل أحوالها. فالسكينة لا تعني أن الطريق سيخلو من الخوف، وإنما أن القلب يعرف إلى من يلجأ حين تضيق به الطرق.

ومن هذا اليقين ينشأ الأمان مع النفس؛ أن تصبح لنفسك سندًا، وأن تعرف أنك إن تعثرت ستنهض، وإن واجهت حقيقة مؤلمة فلن تهرب منها، وإن أخطأت فلن تجعل الخطأ تعريفًا دائمًا لك.

فالأمان الداخلي لا يعني ألا ننكسر، بل أن نثق بأن انكسارنا لن يسلبنا القدرة على النهوض.

وحين يستقر هذا الشعور في الداخل، يصبح اختيارنا للعلاقات أكثر نضجًا. فلا نبحث فقط عمن يحبنا، بل عمن نجد معه الاحترام والتقدير، ونستطيع أن نختلف معه دون أن يتحول الخلاف إلى تهديد أو انتقاص أو وسيلة للإيذاء.

وقد يظن الآخرون أننا نبحث عن الحب، بينما نحن في الحقيقة نبحث عما يجعل الحب صالحًا للاستمرار.

وتعبّر مقولة الدكتور محمد هاني عن هذا المعنى:

«الأمان أهم من الحب، فلا تقترب حين تنبهر، بل اقترب حين تثبت لك المواقف الأمان.»

فالانبهار يرى الصورة، أما الزمن فيكشف التفاصيل. قد يأسرنا الكلام، لكن المواقف وحدها تخبرنا كيف يكون الإنسان حين يغضب، وحين يختلف، وحين تتعارض مصلحته مع مصلحتنا.

ولعل السؤال الأصدق ليس: كيف يعاملني حين يريد الاقتراب مني؟

بل: كيف يعاملني بعدما يعرفني على حقيقتي؟

هنا يظهر الوفاء بوصفه أحد أصدق وجوه الأمان. يقول علي بن الجهم:

«وجرّبنا وجرّب أولونا
فلا شيء أعزّ من الوفاء»

فالوفاء ألا يتحول ما عرفه الإنسان عنك في لحظات القرب إلى سلاح يستخدمه عند الخصومة، وألا تصبح أسرارك ثمنًا لخلاف، أو نقاط ضعفك أبوابًا للإيذاء، أو اختلافك معه مبررًا لإهدار كرامتك.

ولهذا يكون الاختلاف اختبارًا حقيقيًا للعلاقات؛ فهي لا تُقاس بأوقات الانسجام وحدها، وإنما بالطريقة التي نحفظ بها احترام بعضنا حين لا نتفق.

فالأمان ليس علاقة بلا خلاف، بل علاقة لا يسقط فيها الاحترام عند الخلاف.

وقد لا نفقد الأمان بسبب حادثة كبيرة؛ أحيانًا يتآكل بصمت: وعد يتكرر إخلافه، سر لا يُحفظ، شعور يُستهان به، أو اعتذار لا يصاحبه تغيير. حتى نكتشف يومًا أننا لم نعد نتصرف بالعفوية ذاتها، وأن شيئًا في داخلنا أصبح أكثر حذرًا.

وهنا يظهر الفرق الدقيق بين الثقة والأمان:

الثقة أن أطمئن إلى ما أضعه بين يديك، والأمان أن أطمئن إلى نفسي وأنا معك.

ولهذا لا يكفي الحب وحده؛ فالحب شعور، أما الأمان فهو المناخ الذي يستطيع فيه هذا الشعور أن يعيش وينضج ويستمر.

وربما يكون أجمل وصف للأمان أنه راحة القلب من الحراسة المستمرة؛ ألا تضطر إلى تفسير كل كلمة، أو مراقبة كل تغير، أو الدفاع عن مشاعرك، أو إثبات قيمتك في كل مرة.

هناك أشخاص لا يملكون حلولًا لكل مشكلاتنا، ولا يستطيعون أن يمنعوا عنا تقلبات الحياة، لكن وجودهم لا يزيد أثقالها. يصبح الصمت معهم طبيعيًا، والبوح ممكنًا، والقرب خفيفًا على القلب.

إنهم لا يمنحوننا حياة خالية من القلق، لكنهم لا يضيفون إليها قلقًا جديدًا.

ومع النضج تتغير أسئلتنا. فلا نسأل فقط: من يحبني؟ ولا من يبقى قريبًا مني؟ بل يصبح السؤال أكثر عمقًا:

مع من يطمئن قلبي؟

عندها ندرك أن الأمان ليس شيئًا نجده مكتملًا في شخص آخر، بل بناء يبدأ من الداخل ويمتد إلى الخارج: يقين بالله يسند القلب، وتصالح مع النفس يمنحها الثبات، وعلاقات تضيف إلى هذا السلام ولا تهدمه.

فالحب جميل، والثقة ثمينة، والقرب حاجة إنسانية، لكن الأمان هو ما يمنح كل ذلك القدرة على الاستمرار.

لذلك لا تتعجل الاقتراب لأنك انبهرت، ولا تجعل الكلمات وحدها دليلًا على صدق الأشخاص. دع الوقت يكشف، والمواقف تتحدث، ثم اختر من لا تضطر معه إلى أن تصبح شخصًا آخر كي تبقى محبوبًا.

همسة أمل

ليس كل قلب أحببناه يصلح أن يكون موطنًا لطمأنينتنا، ولا كل يد امتدت إلينا تستحق أن نضع فيها مخاوفنا وأسرارنا. بعض القلوب نحبها، وبعضها نثق بها، وقليل منها فقط يجعلنا نشعر أننا لسنا في حاجة إلى الحذر.

فليكن أمانك الأول بالله، ثم ابنِ في داخلك نفسًا لا تتخلى عنك عند العثرات، وحين تختار من يرافقك، لا تسأل فقط عن مقدار الحب الذي يمنحك إياه؛ انظر إلى مقدار السلام الذي يبقى فيك بعد حضوره.

فأجمل العلاقات ليست تلك التي يخفق فيها القلب أكثر، بل تلك التي يطمئن فيها القلب أكثر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى