الانسان بين نوازع النفس وصراع المتغيرات

بقلم / فواز بن لوفان الظفيري  

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .. أما بعد :

فإن من سنة الله تعالى في الكون والمخلوقات التغيير
فالشمس والقمر يتعاقبان فيأتي ليل ثم نهار وهكذا الى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها ويأذن بانقضائها وقيام الساعة ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) الفرقان: 62. ،

هناك تولد نجوم في السماء وتموت نجوم، تجدب أراضي لقلة نزول المطر ويصيبها القحط، وينزل الله تعالى أمطاراً يحي الأرض بعد موتها، قال تعالى :( وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الولي الحميد) الشورى: وقال تعالى : ( وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا ) يس: 33.

ومما لاشك فيه قاعدة [ التغيير ] في حياة الفرد والمجتمع المسلم مبنيةً على مدى قدرة الأفراد على تغييرهم لأنفسهم ، وهو ما يُشير إليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ الرعد: 11.

ولذلك فحكمة الله تعالى اقتضت أن الانسان هو القادر على تغيير نفسه وسلوكه وبذلك يكون تأثير الأفراد مكون لتأثير المجتمع في التغيير وطبعاً للأفضل.

قال تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } سورة الأنفال الآية 53.

فالتغيير في حياتنا والكون سنةً الهيةً جعلها الله تعالى بحكمته. والنفس البشرية لها نوازع في داخلها بين رغبات وأمنيات ومحبوبات للنفس.

ونوازع من تنازع :
وأما التنازع فقد جاء في (المصباح المنير) في مادة (ن ز ع): ( نازعت النفسُ إلى الشيء نُزُوعاً ونزاعاً: اشتاقت، وبعير وناقة نازع: حَنّت إلى أوطانها ومرعاها).

وجاء في (لسان العرب) في المادة نفسها:
نازعتني نفسي إلى هواها نزاعاً: غالبتني، ويقال للإنسان إذا هَوىَ شيئاً ونازعته نفسه إليه: هو ينزع إليه نزاعاً.

والتنازع: التجاذب، ومنه حديث نبينا صلى الله عليه وسلم : ( مالي أنازَعُ القرآن ) أخرجه الترمذي، أي أجاذب في قراءته، وذلك أن بعض المأمومين جهر خلفه، فنازعه قراءته، فشغله، فنهاه عن الجهر بالقراءة في الصلاة خلفه).

فالتنازع تدور معانيه على التجاذب والحنين والمغالبة
والنوازع المذكورة في هذا المقال هي الأمور التي يشتاقها الإنسان ويحنّ إليها، وتحصل المجاذبة فيها بينه وبين نفسه لتحقيقها وتحصيلها.

فالتغيير لابد أن يكون له حدود فهناك ثوابت لاتتغير بمرور الزمان واختلاف المكان. وهي الدين ( العقيدة) والأخلاق والقيم الاسلامية العالية الكريمة. فلاتتغير بل ثابتة فالوفاء وصلة الرحم وحقوق الجار وغيرها من القيم مهما تقدم الزمان فهي ثابتة ثبوت الجبال الرواسي. الا من ضعف ايمانه وخفت مروءته والله المستعان.

وإن اختلاف الناس في الأمنيات والنوازع النفسية فيها بوناً شاسعاً ودرجات متفاوتة بين كل انسان وآخر.

فأمنيات جيل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يختلف عن غيرهم وهكذا كلما جاء جيل تكدرت الأمنيات وخفض سقف الهمم بسبب افتتاح الدنيا على الناس وانشغالهم بها ولذلك كما في صحيح البخاري قال صلى الله عليه وسلم : ( فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ ).

ولنأخذ مثالاً لأمنيات عظيمة بلغت عنان السماء وحينما نقرأ عنها نستصغر أمنياتنا وأحلامنا فإما هكذا الأمنيات والا فلا.
فكما في صحيح مسلم عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه أنه كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم سل يعني ماذا تريد أعطيك و أحققه لك.
دعونا نستمع له رضي الله عنه وهو يقص علينا هذا الجمال العظيم :
( كُنتُ أبيتُ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتَيتُه بوَضوئِه وحاجَتِه، فقال لي: سَلْ، فقُلتُ: أسألُك مُرافَقَتَك في الجَنَّةِ. قال: أو غيرَ ذلك؟ قُلتُ: هو ذاك. قال: فأعِنِّي على نَفسِك بكَثرةِ السُّجودِ).

لم يطلبه شيء من أمور الدنيا، هل كان ربيعة رضي الله عنه لايتمنى مالاً ولابيتاً ولاأمراً من أمور الدنيا المباحة.
هذه الأمور محبوبة في النفوس. لكنه كان عالياً وشامخاً في سقف الأمنيات ( أسألك مرافقتك في الجنة) أي مرافقت النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: فأعِنِّي على نَفسِك بكَثرةِ السُّجودِ :
أَعنِّي على هذا الأمرِ حتَّى يُحقِّقَه اللهُ لك؛ فالزَمْ كثرةَ السُّجودِ للهِ في الصَّلاةِ، في الفرائضِ والنَّوافلِ، وهذا السُّجودُ سببٌ لدخولِ الجنَّةِ ومرافقتِك لي بها.

هكذا كانت الهمم العالية والغايات النبيلة الكريمة.

وجيل آباءنا وأجدادنا والمسمى بالطيبين أهلنا الأولين الله يرحمهم عندهم أمور يحبونها ويتمنون تحقيقها لكن هل هي نفس مانتمنى ونحب!!

كانت عندهم أمنيات يتمنون تحقيقها منها الأمن والأمان على أهل بيته وأن يعيش مستور الحال بعيداً عن أن يؤذي أحداً أو أن يؤذيه أحد وأن يسعى لتوفير العيش الكريم لأسرته ويسعى جاهداً للكسب متوكلاً على الله تعالى. فكانت أقصى أمنياتهم بيت يسكنون فيه بهدوء وطمأنينه ومعيشة ( تموين للبيت) يسد به رمق وجوع أهله. وتوفير حياة كريمة لأسرته.
لأنهم كانوا قديماً يعتمدون على أنفسهم في رعي الغنم والابل والبيع والشراء والزراعة والمحاصيل. فلايلتفتون الى الكماليات والرفاهية والأمور التي لافائدة منها ترتجى.

فكانت حياتهم كد وتعب وأمراض وقلة مال إلا أن نفوسهم كانت راضية وأخلاقهم عالية فإنهم وإن كانوا لايملكون الكثير من المال إلا أنهم تجار وملوك بأخلاقهم ووفاءهم وشيمتهم فضربوا أروع الأمثال بالصدق والكرم والبذل والعطاء والايثار فبارك الله تعالى في حياتهم وكسبهم. واذا أجدبت الأرض استسقوا ودعوا الله تعالى في صلاة الاستسقاء فينزل المطر وتسعد القلوب وينتشر الخير.

ولاننسى قصيدة الشاعر محسن الهزاني في مدينة الحريق قديماً وهي مشهورة قصته الذي قالها في الاستسقاء ونزل المطر وأغاثهم الله تعالى. ومطلعها :

دع لذيذ الكرى وانتبه ثم صل
واستقم بالدجى وابتهل ثم قل:
يا مجيب الدعاء يا عظيم الجلال
يا لطيف بنا دائم لم يزل

فنزل الغيث من السماء وأغاث الله تعالى البلاد والعباد والبهائم.

ومع تغير الزمان وتقدمه أتى جيل بعدهم فاختلفت الأمنيات فأصبحوا يتمنون الكماليات والرفاهية ولاشك أنها مباحه لكنها لاتسمو بالنفس المسلمة وصحيح هناك أشخاص أمنياتهم عظيمة من مساعدة الناس وتفريج كربهم والتنافس في الخير ورفعة بلاده المملكة العربية السعودية واظهار محاسنها للعالم
والتفوق العلمي في شتى المجالات والقلم النير السيال المفيد للناس بشتى العلوم التي تثري العقول وتعدل سلوكاً خاطئاً وتهذب نفوساً تائهة فهي أمنيات عظيمة من نفوس كريمة سمت في أعالى الأخلاق والهمم النبيلة.

وهانحن لكل انسان تنازعه نفسه في هوى وأمنيات وأحلام يسعى لتحقيقها على المستوى الشخصي والعائلي والمجتمعي.

فماهي أمنياتك وماهي أحلامك وماتريد تحقيقه؟

فمع تقدم العلوم والتقنيات والضوضاء الصاخبة في هذا العالم الافتراضي الذي هو سلاح ذو حدين فلنحذر ولنكون على حذر متذكرين ديننا وقيمنا وأخلاقنا ومراقبة الله تعالى لنا.

وأخيراً : فلنكن ذو أمنيات لها أهداف سامية وآثار باقية نرفع بها أنفسنا وتزكوا بها أعمالنا ويرضى عنا ربنا فهي بحق مايسعى اليه كل مسلم.

وكُن في الطريق عفيف الخطى
شريف السماع كريم النظر

وكن رجلاً إن أتوا بعدهُ
يقولون مرّ وهذا الأثر

والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى