حمود الصهيبي يكتب لـ “درة”|النهايات المفتوحة في قصص تشيخوف

لم تكن النهايات المفتوحة عند تشيخوف مجرد تقنية سردية، بل امتداداً لموقفه من العالم. فقد كان طبيباً قبل أن يكون كاتباً، وتلك النظرة الطبية للحياة جعلته يدرك أن المرض لا ينتهي دائماً بحسم، وأن الزمن هو الفصل الحقيقي في مصائر البشر. هكذا كانت كتابته: حالة طبية للحياة الروحية، تُرصد بدقة وتُترك لتطوراتها الطبيعية دون فرض حلول وهمية. يقول نابوكوف عنه: “إنه يكتب كما لو أن الحياة ليست بحاجة إلى أن تُفهم، بل إلى أن تُعاش”. وهذه العبارة تكشف جوهر النهايات المفتوحة، فالقصة عند تشيخوف لا تهدف إلى تقديم إجابة، بل إلى تقديم تجربة حية تستمر في الذهن بعد انتهاء القراءة.
في قصة “السيدة مع الكلب الصغير”، يصل تشيخوف إلى ذروة فنه في هذا النوع من الختام. فبعد رحلة عاطفية طويلة، تنتهي القصة بعبارة تترك كل شيء معلقاً: “وبدا لهما أنه بعد لحظة سيجدان حلاً، وستبدأ حياة جديدة رائعة؛ لكنهما كانا يعلمان أن الأبعد والأصعب سيكون في البداية فقط”. القارئ يُترك أمام مشهد الحبيبين وهما يدركان تعقيد وضعهما، دون أن يعرف إن كانا سيتزوجان أو سينفصلان، لأن تشيخوف يرى أن السؤال أهم من الإجابة. وفي رواية “ثلاث سنوات”، يذهب إلى أبعد من ذلك، إذ تنتهي بسلسلة من النهايات المتداخلة، حيث يجلس البطل في حديقة ينظر إلى السماء ويشعر بأن “شيئاً ما قد انتهى، وشيئاً ما بدأ لتوه”، دون تحديد، وكأن الحياة تيار مستمر لا نعرف أين يأخذنا.
من المثير أن نلاحظ تشابهاً لافتاً بين نهايات قصصه ومسرحياته، ففي “العم فانيا” و”الأخوات ثلاث”، تبقى الشخصيات على عتبة مستقبل غامض، وكأن الحياة المسرحية مثل الواقع لا تخضع لمنطق الحلول الدرامية التقليدية. وهذا التشابه يعكس رفضه للأسئلة المزيفة وإصراره على الأسئلة الحقيقية التي لا إجابة لها. النهاية المفتوحة تمنح القارئ دوراً جديداً، إذ يصبح مشاركاً في بناء المعنى، وكل قارئ يتخيل نهاية مختلفة تكشف شيئاً عنه هو نفسه. وكما قال رولان بارت: “موت المؤلف هو ولادة القارئ”، وقد سبقه تشيخوف بتطبيق هذه الفكرة عملياً، تاركاً القارئ يشعر وكأنه ترك أصدقاءه في منتصف حديث، وهذا الفضول والارتباك هو قوة الكتابة لا ضعفها.
لم يخل هذا الأسلوب من النقد، فقد وجده البعض محبطاً وغير مكتمل، وانتقده تولستوي قائلاً إن تشيخوف “لا يعرف كيف ينهي قصصه”. لكن هذا النقد يعكس فجوة بين رؤيتين: تولستوي رأى أن الفن يقدم إجابات أخلاقية، بينما رأى تشيخوف أن الفن يطرح الأسئلة بدقة ويترك الحرية للإنسان. ومع نضجه الفني، تحرر تشيخوف تدريجياً من قيود التقليد الأدبي، وأصبحت النهايات المفتوحة هي السمة الغالبة في قصصه، مثل قصة “الحلم” التي تنتهي بغموض يرفض التفسير الواحد. في النهاية، تعكس نهايات تشيخوف المفتوحة فلسفته في الحياة: الإيمان بأن المعنى ليس نقطة نصل إليها، بل رحلة نخوضها. وكما قال في إحدى رسائله: “على الكاتب ألا يحلّ المشكلة، بل أن يعرضها عرضاً صحيحاً”. وعندما نقرأ قصة تشيخوف، نغادرها ونحن نعرف أقل، لكننا نشعر بأننا فهمنا أكثر، وكأن كل نهاية هي في الحقيقة بداية جديدة تنتظرنا خارج النص.