بشرى الحويطات تكتب لـ “درة”| جريمة الصدفة والوفاءٌ مكبَّل بالقدر

بقلم / بشرى محمد الحويطات  

لم تكن الصدفة يوماً حمامة سلامٍ تحط على شبابيك المكسورين، بل خنجراً يستلّه القدر من غمد الغياب ليغرزه في القلب الغافل، نحسب المصادفات أمنيات تسعى إلينا لترمم ما هدمه الجفاء، ولا نعي أنها قد تأتي كجائحةٍ تنبش القبور الصامتة في أروقة الروح، لتقف على أطلالنا وتستكمل ذبحنا بلا رحمة، تماماً كما أبدع الشاعر بلال الماضي في نسج هذه المأساة التي تفتت الكبد وتعتصر الفؤاد.
يبدأ المشهد بصرخة لوم موجعة وجّهها لجمادٍ لا ينطق، لجمود السوق الذي أضحى مسرحاً لمأساة لم تكن في الحسبان، معاتبًا السوق رغم عي فهمه:
والله لو إن السوق يفهم وينلام! لمته على الصدفة وهذي الجريمة.
إنه لا يرى اللقاء هبةً من القدر، بل يراه “جريمة” موصوفة؛ لأن مثل هذه اللقاءات لا تكتفي بكسرك، بل تقتلك مرتين: مرّةً حين تجعلك تفتش في وجه الحبيب عن أيامك الرغدة فتجد أن الزمان هدمك أنت ووفر حسنه هو، ومرّةً ثانية وهي الأشد إيلاماً، حين يصفعك القدر بوفائه العاجز؛ وفاءٌ تجسد في امتناع الوصل وشواهد الفراق التي أصبحت واقعاً لا يرحم. وفي لحظة اللمحة الأولى، يتوقف الزمن، وتخون الجوارح صاحبها في مشهد ينفطر له الفؤاد:
قامت تراجف وسطنا قلوب وعظام عشّاق والصدفة تهد العزيمة.
ارتجفت الأضلع، وانهارت سدود الصبر والجلد التي بناها عبر السنين. هكذا هي الصدف مع العشاق القدامى: لا تمنحهم قوة، بل تهد عزيمتهم المتهالكة أساساً. ثم يتأمل المكان والتوقيت بذهول يمتزج بالحرقة:
بالسوق هـالصدفة بعد كل الأيام؟ عظيمة، وجيتي بصدفة عظيمة
بعد كل هذه الدهور من النوى والجفاء، يأتي بها القدر في أزحمة العابرين؟ إنه الذهول من صدفة وصفها بـ “العظيمة”، لكنها عظيمة في وقعها المؤلم وفي حجم الفاجعة التي حملتها. ثم يعود ليتأمل وجهها الذي خانته الأيام ولم يخن جماله:
جمالكِ اللي خابره ليه ما دام؟ هذا الجمال أجمل عسى الله يديمه
ما زلتي أجمل بنت هيبة وهندام اثر الكبر ما غيرك يا وسيمة!
يتأملها بعين العاشق المحروم؛ كان يظن أن السنين قد تطفئ بعض بؤر حسنها أو تنقص من هيبتها، فإذا به يتفاجأ بأن الزمن انحنى لجمالها وزادها دلالاً وهنداماً. يتأملها ويدعو لها بالدوام رغم جرحه، متفجعاً من أن عقارب الوقت أكلت من عمره هو ولم تمسّ حسناها؛ وهنا تكتمل الموتة الأولى: حين وقف أمامها ينظر إلى حسنها الباقي ليقيس عليه حجم الخراب الذي أحدثه الفقد في جسده ورائحة شبابه الذابل.
وهنا، تتحول بؤرة الحديث إلى المرآة المكسورة في داخله، حين لمح استغراباً في عينيها من ملامحه الراهنة، فيبادرها بالاعتراف المرير قبل أن تسأل:
وش رايك بشكلي بعد خمسة أعوام؟ متغير؟ أدري بهالظروف الوخيمة
مستغربتني؟ عادي الوقت ظلّام كبران؟ من كبر الجروح الوخيمة
يا له من انكسار يدمي القلوب! إنها مرارة سياط السنين الخمس التي مرت كأنها قرون، لم يغيره الشيب العادي ولا العمر المترامي، بل غيّرته “الجروح الوخيمة” وزمن “ظلّام” لا يرحم، يقف أمامها كأنقاض إنسان، يشرح لها كيف أكل الفقد من ملامحه وهدّ الشباب في عينيه. ثم يسترسل في سكب أوجاعه السريّة التي عاشها وحده طوال غيابها:
والله من غبتي صحى الحزن ما نام والله كل فرحة بدونك يتيمة
يقسم بالله أن الحزن استيقظ يوم أقفلت بابها، ولم يذق جفنه طعم المنام بعدها، فكل مسرة مرت به في غيابها كانت شاحبة ومسلوبة الروح، فرحة “يتيمة” لا تكتمل، لأن الأصل الذي يُسعده قد رحل، ويتعمق أكثر في تفاصيل الحرمان الليلية الخالية منها، قائلًا:
والله من ليلة فراقك والأحلام تبخل علي بشوفتك يا كريمة
حتى طيفها في المنام أضحى ضيفاً شحيحاً! يعاتب الأحلام التي بخلت بملامحها، بينما يصفها هي بـ “الكريمة” في تناقض شعري يوضح عظمة قدرها في قلبه رغم جفاها. ويواصل رسم لوحة الشقاء المؤثرة، قائلًا:
والله من غبتي وأنا مثل الأيتام أنام ودموعي بعيني مقيمة
أبكي وتبكي فوق الأوراق أقلام ويرجف بعيني حزن ربي عليمه
تصوير يختنق بالدمع؛ عاش كيتيم فقد مأواه، ينام والدمع مقيم في محاجره، يبكي بقلبه حتى تجري الأقلام بالبكاء على الورق. حزنٌ مخفي لا يعلم مداه إلا الله، ينضح من عينيه المرتجفتين باللوعة وهو يقف أمامها الآن، يفرغ شحنة سنين من العذاب في كلمات لعلها تلامس قلباً خفق له يوماً.
وفجأة… وفوق كل هذا الانسكاب العاطفي والدفق الشعري المحموم، تنطق هي بالرد الذي يحمل في طياته الموتة الثانية والأشَدّ عمقاً، قائلة:
قالت: ترا أغلى منك في كل الأنام سميّك اللي تشوف وأخته حليمة
هنا تجف الدماء في العروق وينخلع القلب؛ فهذه هي القتلة الثانية التي أجهزت على ما تبقى منه، قتلةٌ يتجلى فيها الوفاء الأنثوي بأجمل وأقسى صوره. لم تتجاهل حبه، ولم تنسَ عهده، بل أثبتت له بعينين يملؤهما الحنين المكظوم أن اسمه القديم لم يغادر وجدانها، وأن جور الوقت وظلم الأقدار الذي أبعدها عنه وجعلها ترتبط بغيره، لم يمنعها من أن تُخلّد حبها له في أحب الناس إليها: طفلها.
ها هي سمت طفلها على اسمه، تناديه به كل يوم، وتضمه إلى صدرها لتشم فيه أثر ذلك الحب القديم الذي لم يمت! كان ردها إعلاناً شاعرياً أليماً: “أنت لم تخرج من قلبي، لكن القدر حكم، وهذا السمِيّ هو أغلى ما أملك لأنه يحمل اسمك الذي حُرمت منه”.
بهذه الخاتمة، تكتمل أركان الفاجعة؛ قتلتْه الصدفة مرتين: مرةً حين أرته شقاءه وهرمه أمام حسنها الباقي، ومرةً حين أثبتت له أن وفاءها له كان عظيماً وشامخاً، لكنه وفاءٌ مكبل لا يملك حيلة أمام الواقع. صدفة لم تكن لم الشمل، بل كانت طعنة أثبتت أن أشد أنواع الشقاء ليس أن ينساك من تحب، بل أن تكتشف أنه ما زال يحبك ويناديك باسمك في طفله، بينما أنتما غريبان في زحام السوق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى