الجهراء _ قطعة 1

بقلم / ثويني النجباني  

هناك أماكن لا نغادرها، حتى وإن غادرتنا هي. تظل محفورة في طبقات الروح، مثل نقشٍ أبدي لا تمحوه رياح السنين. الكويت، بالنسبة لي، ليست مجرد وجهة سفر، بل كانت “وطناً موازياً” في ذاكرة جيلٍ كامل، جيلٍ عاش تفاصيلها قبل أن تسرقنا الأيام وتتفرق بنا الدروب.

لا تكتمل حكاية الكويت دون أن أستحضر طقوس الانطلاق. أتذكر ذلك الشوق الذي يسبق السفر بأيام؛ حين كنا ننشغل بتجهيز حقائبنا بلهفةٍ غامرة، ليس لمجرد السفر، بل للقاء “الحلم”. كنت أنطلق تارةً مع ابن العم “محمد “، ذلك الرفيق الذي يحمل في جوفه حكاية المكان، فهو الذي وُلد وترعرع في كنف الكويت قبل أن ينتقل ليسكن “رفحاء”، فكانت عودته للكويت معه أشبه بـ “عودة الابن إلى أحضان أمه”، وكان يروي لنا دروبها عبر صوت محرك سيارته “الموستنق” التي قطعت بنا المسافات ذهاباً وإياباً. وتارةً أخرى، كنت أنطلق بصحبة ابن العم “صلاح”، خويّ السفر الصادق الذي لا تكتمل فرحة الطريق إلا بوجوده. كنا في تلك السيارات نحلق نحو أفقٍ يمتلئ بالضحكات، وكلما اقتربت المسافات من الكويت، زاد نبض قلوبنا فرحاً، كأننا نعود إلى “المقر” لا إلى وجهةٍ غريبة.

حين نصل، تتبدد كل أتعاب الطريق. أغمض عينيّ، فأرى “الجهراء” كما كانت؛ مدينةٌ تضج بالحياة، وبالكرم الذي لا يعرف حدوداً. كانت “القطعة 2” هي بوصلتي، حيث كان يقيم عمي « عبيد رحمه الله » ذلك الرجل الذي كان بيته ملاذاً ودفئاً. وفي “القطعة 1″، تتجدد ذكرياتي مع أخي وصديقي “علي برجس الذي مهما قلت فيه أو وصفت من شمائل، فلن أوفيه حقه؛ ذلك الرجل الذي كان مجلسه العامر المفتوح رمزاً للنقاء، حيث تجتمع القلوب على رائحة القهوة والهيل، وحيث يمتزج الكرم بوجود الصديق الغالي “أنور “. هناك، كانت الأحاديث لا تنتهي، والودُ يغمر المكان مع أسماءٍ حُفرت في الذاكرة مثل “لاحق الظفيري” وعيال “جداع “، أسماءٌ ليست مجرد أصحاب، بل هم “أيقونات” لزمنٍ جميل، حُفرت في الذاكرة كما يُحفر الأثر في صخرٍ أصيل.

كان العيد في الكويت طقساً مقدساً؛ نركض في “حديقة الشعب”، نتحدى الزمن في “السكيتينغ”، ونسرق لحظات من السحر في “الجزيرة الخضراء”. كانت “أبراج الكويت” و”سوق شرق” و”الواجهة البحرية” شاهدةً على جيلٍ عاش في قمة التطور، جيلٍ رأى في الكويت منارةً تسبق عصرها في الفن، والعمران، والانفتاح.

اليوم، حين أمرُّ بطيف تلك السنوات، أشعر بحنينٍ يمزق الحجاب بين الماضي والحاضر. إن رحلاتنا بسيارة “الموستنق” مع “محمد”، ورفقة الدرب مع “صلاح”، وديوان ( عمي عبيد رحمه الله ) ومجالس “علي ” التي لا تُنسى، لم تكن مجرد تنقلٍ أو زيارات، بل كانت رحلةً داخل الروح، نجمع فيها ذكرياتٍ لا تشيخ.
‎يا الله.. كم كنا نعيش ببساطة، وكم كانت الكويت كريمةً في منحنا رفاقاً وذكرياتٍ تجعل من الماضي وطناً نسكنه كلما ضاقت بنا الأيام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى