طفل ١٤٠٧ ورجل اليوم.. الفجيعة ذاتها

في العام ١٤٠٧هـ.
انفتح باب المدرسة قبل انقضاء الوقت، فركضتُ نحو الشارع بأطرافٍ يحرّكها السرور، كطفلٍ لا يرى في امتداد النهار إلا مساحةً أرحب للركض والانعتاق.
لكنّ الميدانَ الأليفَ انقلب بغتةً على غير عادته.
تلاشى أثر البهجة البسيطة أمام مرأى الوجوه التي تقاطعت في الطريق؛ وجوهٌ استقرت عليها سحابةٌ ثقيلةٌ من الذهول، وارتسمت فوق الملامح فاجعةٌ وحّدت بين الأشكال، وكأن حزناً واحداً ألمّ بالجمع في لحظةٍ واحدة.. حسرةٌ، وغصّةٌ، وصمتٌ يطبق على الأنفاس.
حينها أدركتُ أن خطباً جليلاً قد وقع، وأن شيئاً هائلاً قد انكسر في قوام المكان.
كبار السن يتوافدون بخطواتٍ ثقيلةٍ نحو المسجد الصغير لوداع فقيدهم، وصوتٌ مكسورٌ في الجمع يتمتم بمرارة:
«يا حيف كبر السن ضام اخو شاهه..
الليث ابو زقام شيخ المساعيد»
في تلك اللحظة، أدرك المجتمع كله أن الركن الذي نهضت عليه الملامح الأولى قد رحل؛ ترجّل الشيخ مشل التمياط، الذي وضع البذرة الأولى وسط الفراغ، وجعل من الشتات مأوى، ومن الكتاتيب والخيام مبدأً لقصة استقرار.
أظلمت برحيله السككُ، وغمر المكانَ حزنٌ صامت، غير أني كنتُ أعجز من أن أسبر غور هذا الفقد؛ فتوشّحتُ بذاك الفرح الموهوم بالانصراف المبكّر.. ومضيت.
تتعاقب السنوات، وتمضي الأيام تتدافع في سكونٍ رتيب.
أكبرُ، وتتّسع الرقعة من حولي.
تتغيّر السحنة الأولى للمكان؛ الطرق الترابية سُوّيت ونُظّمت، والمساكن القديمة تراجعت ليُبنى مكانها عمرانُ مجتمعٍ يتشكّل برفق؛ يتّسع ويُشيّد بنيانه متراصّاً.
كبرت الأجيال التي تعلّمت في الكتاتيب القديمة ليخرج من بينها الطبيب، والمهندس، والضابط، والباحث، والمسؤول؛ وتحوّل الشتات القديم إلى مجتمعٍ متماسك، يُغيث محتاجه، ويسند طالب العلم، ويرسّخ أركان عيشه بالتمكين والرحمة.
وفي قلب هذا التحوّل التدريجي، في العام ١٤٣٢هـ آلت أمور القيادة إلى الشيخ فيصل أبو مثقال، الذي كان يتحرّك بين الناس كظلٍّ ممدود؛ قامةٌ شامخة، ووجهٌ حييّ، وقبلةُ قاصدٍ لا يُرَدّ.. عقلُ الدار، وملاذُ الخائف، وأبُ شبابها الحاني. كان يواصل بناء ما أرساه الأب، يمنح دون مقابل، ويبسط كفّه بالرعاية، ويُسكن الأفئدة بوجوده الهادئ. يرمّم الفراغ العريض دون صخب، ويمضي بين الناس بذات المهابة الموروثة.. دون أن ينتبه الجميع أن (مشل آخر) يعيش بينهم.
وقبل أيام وافى الأجل أبا مثقال، وبرحيله انطوت أربعون سنة كأنها منام.
استدار الزمان وعاد المشهد الأول بكامل ثقله: نفسُ الذهول المهيب، والصمتُ الذي يخنق الأصوات في الحناجر.
غير أن الفارق الوحيد هذه المرة.. أنني لم أعد ذلك الطفل الصغير الذي يركض مرحاً بانقضاء وقت المدرسة.
بل رجلٌ يرى الفاجعة ذاتها تتكرّر أمام عينيه؛ رجلٌ علّمه فقْدُ الشيخ فيصل معنى الحزن المُفجع الذي انتاب الكبار يوم رحل والده الشيخ مشل، فعاش اللحظة بوعي الشاهد وبالعقل المثقل بالذكريات، فاهماً —بعد أربعين عاماً— سرَّ الذهول الذي ارتسم على وجوه الآباء عند رحيل والده.
رحل فيصل، فشُهد في رحيله أثرُ رحيل أبيه؛ واستقرّ في اليقين أن بعض الفقد لا يداويه اتساعُ العمران ولا امتدادُ الأيام.
فهناك قاماتٌ لا يكون غيابها مجرّد حادثةٍ في كتاب الزمان.. بل انطواءُ زمنٍ كان فيه للمُلمّات بابٌ يُطرَق.
واليوم، ونحن نقف على أكتافٍ شُدّت بها عُرى هذه الدار، لا نملك إلا امتنانًا لكل بذرةِ خيرٍ غرساها في أرضنا، وما بذلاه لكرامة الدار ورفعة أبنائها.
رحم الله الشيخ فيصل ووالده الشيخ مشل وغفر لهما؛ فما تركاه في الناس من خيرٍ أبقى من أن تطويه السنون.