سالي محمد تكتب لـ “درة”| فرجار الحب

في زحمة هذا العالم العجيب المخيف ،حيث تتلاطم الأحداث وتتشابك المصائر ، يظهر الحب كفرجار عملاق ، نقطة ارتكازه ثابتة في قلب الوجود، حول هذه النقطة يدور كل شيء بلا هوادة .
لكن المدارات تختلف ، وهنا يكمن السر الأعمق ، للتغيرات التي تعيد تشكيل خارطة العوالم ، فحين يحب البعض ذاته أكثر من اللازم ، يطغى شعور الأنا ، فينسى الإنسان قيمته الحقيقية، ورسالته في الحياة .
وهناك من يحب الهيمنة وشعور السيادة ، فنراهم كالثور الهائج ، يحطم كل ما يصادفه دون تمييز ، وفئة ثالثة تحب الظلم ويحبها العبيد، وهما كتلتان من النجاسة ، يحدث بلقائهما اختلال في التوازن الكوني، فكلما زاد البهتان ، تراجع العدل كما يتراجع الضوء أمام الدخان.
وهناك شرذمة تحب إراقة الدماء ، تسعد بتمزق أشلاء الإنسانية ، وتسعى بكل جهد لنشر الكراهية، لديهم مجلدات معنونة بالعنصرية والطائفية والتفرقة ، وللأسف طلابهم كثر ، فئة رخيصة يتم شراؤها
وسرعان ما تتكاثر كالفيروسات ، يغذيها حبها لمرأى الآلام.
لكن في المقابل ، وفي جميع المدارات ، هناك طوفان من بشر ، يعون جيداً معنى الحب والتوازن ، هؤلاء على يقين أن للحب مفعولاً سحرياً
يعلمون أن حبك المتزن لذاتك، يجعلك تحب جميع جيرانك في الكون
البشر والشجر والطير والزهر ، وأفواج النحل وأسراب النوارس ،يحبون لغيرهم ما يحبونه لأنفسهم ، لأنهم ببساطة أدركوا، أن السعادة الحقيقية تكمن في العطاء ،في السلام ، في رؤية الكون خالياً من الدماء والحروب والدمار .
ويبقى للحب نغمة خفية ، لا يستوعبها إلا من أصغى بروحه ، هؤلاء العاشقون للنقاء ، يصوغون من الرحمة عزفاً تتآلف عليه القلوب ، اختاروا أن يكونوا جسوراً للتواصل، لا معاول هدم .
وهكذا يظل الحب الحقيقي هو الميزان ، يضع الرحمة فوق المصلحة، والعدل فوق القوة والنفوذ، يعيشون بترك الغفلة ، وإدراك حقيقة رسالتهم كبشر ، فيسيرون في الأرض هوناً ، ويخاطبون الجاهلين سلاماً، وبينما تختلف المدارات ، تبقى نقطة الفرجار ذاتها ثابتة، يظل الحب بأشكاله المتعددة هو البوصلة التي ترشدنا في عوالمنا المتشابكة، هو القوة الوحيدة القادرة على لم شمل ما تفرق ، وإعادة التوازن لما اختل، وتذكيرنا بأننا جميعاً نسير في مدارات مختلفة ، حول نقطة واحدة ، نلتقي فيها أو نفترق.
لكن الحب يبقى دوماً هو الارتكاز الثابت في كوننا المتغير ، فأي المدارات ستختار؟ هل ستكون ممن يضيفون إلى العالم نغمة جميلة
أم ممن يزيدون الفوضى ضجيجاً؟
الخيار دائماً بين يديك ، والحب وحده من يمنحك القوة لاتخاذ القرار الصحيح.