أمان وطن.. وطمأنينة قلب

هناك نِعم نراها فنشكر الله عليها، وأخرى تحيط بنا بهدوء حتى نعتاد وجودها، فلا ندرك عظيم قدرها إلا حين نرى كيف تبدو الحياة لمن فقدها.
والأمن واحدة من أعظم تلك النعم.
أن تستيقظ صباحًا ولا يشغلك سوى تفاصيل يومك، أن يخرج أبناؤك إلى مدارسهم وجامعاتهم وأعمالهم، أن تمضي في طرق مدينتك، ثم تعود في آخر النهار إلى بيتك مطمئنًا؛ مشاهد تبدو عادية، لكنها في أماكن أخرى أمنيات ينتظرها الكثيرون.
ولعل عظمة الأمن تتجلى في دعاء إبراهيم عليه السلام:
﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا﴾.
فالأمن يسبق كثيرًا من النعم؛ لأن الإنسان حين يأمن يستطيع أن يبني ويتعلم ويعمل ويحلم. وكيف يمكن للمرء أن ينشغل بأحلام الغد إذا كان خائفًا من يومه؟
فالأمن ليس تفصيلًا في حياة الأوطان، بل أساس تستند إليه الحياة بأكملها. خلف كل مدرسة تستقبل أبناءها، وكل جامعة تحتضن طموحات شبابها، وكل مشروع يُبنى، وكل أسرة تخطط لمستقبلها؛ وطن مستقر منح أبناءه مساحة ليعيشوا ويعملوا وينظروا إلى الغد بثقة.
وربما لأننا اعتدنا هذه الطمأنينة، تمر صورها أمامنا دون أن نتوقف طويلًا أمام قيمتها.
مسافر يعبر مدن وطنه، وأسرة تمضي في تفاصيل يومها، وشاب يرسم مستقبله، وطفل يكبر وهو لا يعرف من الخوف إلا اسمه.
مشاهد بسيطة، لكن خلف كل واحدة منها نعمة عظيمة.
وفي اليوم الوطني، لا نحتفي فقط بما نراه من منجزات ومشروعات وتطور، بل بما نشعر به ونحن نعيش على هذه الأرض. فبعض منجزات الأوطان نراها بأعيننا، وبعضها نشعر بها في قلوبنا، ولعل الأمن من أعظم ما نشعر به دون أن نراه.
وحين نقول: الحمد لله على وطن آمن، فنحن نحمده على بيوت تنام مطمئنة، وطرقات تمضي فيها الحياة، وأطفال يكبرون بعيدًا عن الخوف، وأحلام تجد أرضًا مستقرة تستطيع أن تنمو فوقها.
لكن النعم العظيمة تحمل معها مسؤولية عظيمة؛ فالمحافظة على أمن الوطن تبدأ من وعي الإنسان ومسؤوليته، واحترامه للأنظمة، وإخلاصه في عمله، وحرصه على مكتسبات بلاده، وإدراكه أن ما يحافظ عليه اليوم سيكون إرثًا من الطمأنينة لأجيال تأتي بعده.
وفي يوم الوطن، وبين الأعلام والفرح والاحتفاء، يبقى من أجمل ما نرفعه إلى السماء دعاءً:
اللهم أدم على وطننا أمنه وأمانه، واحفظ أرضه وقيادته وشعبه، واجعله دائمًا دار أمن وطمأنينة ورخاء.
فليس كل ما يستحق الاحتفاء صاخبًا؛ بعض النعم هادئة جدًا…
ننام في ظلها،
ويكبر أبناؤنا بينها،
ونبني أحلامنا لأننا مطمئنون إلى الغد.
ذلك هو أمان الوطن… وتلك هي طمأنينة القلب.
همسة أمل:
نعتاد الأمان حتى نظنه من تفاصيل الحياة، بينما هو النعمة التي تمنح تفاصيل الحياة كلها معناها.