إدمان التسلية

زمان كانت الجلسة العائلية تبدأ بالسوالف وتنتهي بالضحك، أما اليوم فتبدأ بشحن الجوال وتنتهي بالبحث عن الشاحن!
تدخل المجلس فتظن نفسك في قاعة انتظار عالمية، كل شخص ممسك بجواله وكأنه مدير شركة كبرى يدير صفقات بمليارات. هذا متشنطح على الكنب، وذاك منبطح على بطنه، وثالث رافع رجليه وكأنه في رحلة استجمام، والجميع يحدق في الشاشة وكأنها ستكشف سر الكون بعد قليل.
ربة البيت تجلس مع صديقاتها في مجموعات الواتساب منذ الصباح، تتنقل بين المقاطع والرسائل أسرع من مذيع نشرة الأخبار. والأب منشغل بمقاطع لا يعرف كيف وصل إليها أصلاً، والأبناء في عالم الألعاب الإلكترونية، حتى إذا ناديت أحدهم ظن أنك إشعار مزعج يمكن تجاهله!
أما المطبخ فله قصة أخرى؛ أكواب الشاي منتشرة في كل زاوية، وصحون الوجبات الخفيفة تتكاثر بطريقة غامضة، وبعض الأواني تجدها تحت السرير، وفوق الطاولة، وخلف الكنبة، وكأنها تلعب لعبة “الغميضة” مع أهل المنزل.
أما العامل أو العاملة فغالباً يعيش حالة من الدهشة اليومية، يجمع الأكواب من هنا، ويرفع الصحون من هناك، ويشاهد آثار الوجبات في أماكن لم تخطر على بال أحد، حتى يكاد يعتقد أن أهل البيت يأكلون وهم يمارسون رياضة الجري!
المشكلة ليست في التسلية نفسها، فالترويح عن النفس حاجة طبيعية، لكن حين تتحول إلى إدمان يسرق الوقت ويعطل الواجبات ويقطع التواصل بين أفراد الأسرة، تصبح المسألة بحاجة إلى وقفة جادة.
ولعل أجمل نصيحة هي أن نجعل للتسلية وقتاً محدداً لا نتجاوزه، فنستمتع دون إفراط، ونغلق الأجهزة عند اجتماع الأسرة، ونخصص وقتاً للحديث والقراءة والزيارات والأنشطة المفيدة. فالإنسان خُلق ليقود وقته، لا ليقوده هاتفه.
ومن الجميل أن نتذكر دائماً أن الجوال وسيلة للمتعة والفائدة، لا أن يتحول إلى فرد جديد في الأسرة يحتل كل المجالس ويأخذ الكلمة الأخيرة في كل وقت!