من يحمي الوطن؟

طرق نسلكها بأمان، وبيوت نخرج منها ونعود إليها مطمئنين، ومدن تستمر فيها الحياة، وأطفال يذهبون إلى مدارسهم، وأعمال تمضي في مسارها المعتاد.
مشاهد قد تبدو لنا عادية من فرط اعتيادنا عليها، حتى نكاد لا نتوقف لنسأل: ما الذي يجعل هذه الحياة تمضي بهذا الأمان؟
حين نتوقف عند هذا السؤال ندرك أن الأمن الذي نعيشه وراءه قادة، ورجال، ومؤسسات، وأعمال، وأسباب تُبذل لحمايته واستمراره، وما نراه من طمأنينة في تفاصيل حياتنا إنما هو ثمرة جهود تُبذل في مواضع متعددة، ويلفت القرآن نظرنا إلى قيمة الأمن بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ …[العنكبوت: 67]
ولا ندرك قيمة ما يُبذل لحفظ هذا الأمن إلا حين يقترب الخطر، فنرى بوضوح ما كان يعمل في صمت خلف تفاصيل حياتنا اليومية.
ولعل ما تشهده المملكة العربية السعودية من محاولات استهداف بالصواريخ والمسيّرات، وما يقابلها من جهود للتصدي لهذه الأخطار، يضع أمام أعيننا صورة حية لما تعنيه حماية الأمن، وما تتطلبه من أدوارٍ متكاملة وأسباب مبذولة، ولكن كيف تتكامل الأدوار؟
فالأرض التي يسكنها الإنسان، ويسير في طرقاتها بأمان، ويدخل بيته ويخرج منه مطمئنًا، ليست مجرد مساحة يعيش فيها، بل علاقة متبادلة؛ تمنحه شيئََا ويمنحها الإنسان شيئََا منه.
وعندها لا يعود السؤال: من يحمي الوطن؟ بل أين تكمن مسؤوليتي في حماية الوطن الذي أعيش فيه؟
فهل تظهر هذه المسؤولية في التعبير عن الانتماء في الشعارات التي نراها، وفي لحظات الفرح التي تجمع الناس، أم تمتد إلى سلوك الإنسان اليومي؟
فحماية الوطن لا تقتصر على دفع الخطر عنه حين يقترب، ولا نكتفي بشعارات الانتماء في لحظات الفرح، بل تشمل كل ما يسهم في حفظه وبنائه وإصلاحه؛ من أداء الأمانة، والمحافظة على الممتلكات، وإتقان العمل، والقيام بالمسؤولية، والوفاء، وعدم الخيانة، وكل دورٍ يحفظ ما نعيشه ويضيف إليه.
ومن هنا لا يقتصر السؤال على: أين تكمن مسؤوليتي في حماية الوطن؟ بل يمتد إلى سؤال أعمق: أي وطن يسكن الإنسان؟
فالوطن الذي يسكن الإنسان ليس شعورًا فحسب، بل معنى يراه في نفسه، ويظهر فيما يقدمه لدينه ووطنه، وقد يمتد أثره إلى ما بعد رحيله. وهو الوطن الذي يظل شامخًا، وعَلَمه مرفوعًا، ولا تنتهي معاني الانتماء إليه بانتهاء الاحتفالات، ولا تتوقف حمايته عند حراسة الحدود.