جميلة بنت متعب العيادة تكتب لـ “درة”| العلم البشري بين الاكتشاف والامتنان

يُعد العلم من أعظم المنجزات التي أسهمت في تشكيل حياة الإنسان وتطوير الحضارات عبر العصور. فمن خلاله استطاع الإنسان أن يفهم كثيراً من أسرار الكون، وأن يطوّر وسائل حياته، وأن يحقق إنجازات غير مسبوقة في مختلف المجالات. ومع هذا التقدم المتسارع تبرز أهمية التأمل في مسيرة العلم البشري، وما قامت عليه من جهود متراكمة وعقول مبدعة، وما تستوجبه في الوقت ذاته من شكر وامتنان لله الذي وهب الإنسان القدرة على التعلم والفهم والاكتشاف.
كثيراً ما نقف أمام ما وصلت إليه البشرية من إنجازات علمية مذهلة، فنتأمل هذا التقدم المتسارع في الطب والهندسة والفضاء والتقنية، ونتساءل: كيف تكوَّن هذا البناء المعرفي الضخم؟
إن ما نشهده اليوم هو ثمرة مسيرة طويلة من البحث والتجربة والتطور المعرفي عبر أجيال متعاقبة، فقد عمل العلماء والباحثون والمخترعون على دراسة الظواهر وتحليلها، وربط الأسباب بالنتائج، حتى تشكَّل هذا الكمّ الهائل من المعرفة الذي تقوم عليه الحضارة الحديثة.
وقد منح الله الإنسان العقل المفكِّر، والحواس المدركة، والقدرة على التعلم والاكتشاف، وجعل في الكون نظاماً دقيقاً يمكن قراءته وفهمه. وبذلك أصبحت المعرفة ممكنة، والتجربة وسيلة، والتقدم العلمي ثمرةً للبحث والاجتهاد واستثمار ما أُتيح للإنسان من قدرات وإمكانات.
وعند التأمل في تاريخ البشرية يتبيَّن أن التقدم العلمي لم يكن نتاج لحظة واحدة أو جهد فرد واحد، بل هو حصيلة جهود متراكمة أسهمت فيها عقول كثيرة عبر العصور؛ فكل جيل بنى على ما سبقه وأضاف إليه، حتى وصلت البشرية إلى ما هي عليه اليوم من تطور علمي وتقني.
ومع ذلك يظل العلم البشري محدوداً بطبيعته؛ فكل اكتشاف يفتح باباً لأسئلة جديدة، وكل إجابة تكشف مساحة أوسع من المجهول. فالمعرفة الإنسانية، مهما اتسعت وتطورت، تبقى غير مكتملة؛ إذ يكشف كل اكتشاف جديد عن مجالات أخرى تحتاج إلى مزيد من البحث والفهم. ولذلك ما زالت أمام البشرية آفاق واسعة للمعرفة، قد تحملها الأجيال القادمة إلى مستويات لم تبلغها الأجيال السابقة.
كما تكشف مسيرة العلوم جانباً آخر من هذه الحقيقة؛ فمهما اتسعت معارف الإنسان وتنوعت خبراته، فإنه يظل بحاجة إلى المزيد من التعلم ، كما يظل محتاجاً إلى ما لدى الآخرين من علم وتجربة.
وهذا التتابع في المعرفة بين الأجيال يبين أن المعرفة الإنسانية، على اتساعها، ليست علماً مطلقاً ولا إحاطة كاملة بكل شيء .
ومن هنا يبرز معنى الامتنان؛ فكل تقدم علمي يمثل مناسبة لتقدير جهود الباحثين والعلماء الذين أفنوا أعمارهم في خدمة المعرفة، وفي الوقت ذاته يكشف عن عظيم ما أنعم الله به على الإنسان من عقل وإدراك وقدرة على التعلم. فالشكر لا يتعارض مع العلم، بل يرافقه ويمنحه بعداً أعمق وأسمى.
وعلى الإنسان، كلما قدّم إنجازاً أو أسهم في عمل نافع، أن يتذكر أن ذلك من فضل الله عليه، فيحمده ويشكره، ويستحضر أن التوفيق في الأصل منه سبحانه، لا من حول الإنسان وقوته وحدهما.
إن العلم حين يقترن بالتواضع يزداد قيمة، وحين يصاحبه الامتنان يصبح أكثر نفعاً للإنسانية. فكلما اتسعت دائرة المعرفة أدرك الإنسان أن أمامه آفاقاً أرحب لم تُكتشف بعد، وأن رحلة البحث والفهم ستظل مستمرة ما دامت الحياة.
وأخيراً يبقى العلم نعمة عظيمة تستحق التقدير والشكر، وما حققته البشرية من اكتشافات وإنجازات هو ثمرة جهود كبيرة بذلها العلماء والباحثون والمخترعون عبر الأجيال. ومن الوفاء أن نُقدّر هذه الجهود وأن نعترف بأثر أصحابها في خدمة الإنسان وتقدّم الحضارة. وكلما شكرنا هؤلاء على ما قدموه للبشرية، فعلينا أن نحمد الله الذي وهبهم هذه العقول والقدرات، وأتاح لهم فرص التعلم والبحث والاكتشاف، وسخّر العباد بعضهم لبعض؛ فهذا يكتشف، وذاك يبتكر، وآخر يطوّر، وغيرهم ينتفعون بما وصلوا إليه. وهكذا تتكامل الجهود الإنسانية وتتواصل حلقات المعرفة.
وقد تم اختيار هذا الموضوع للتأمل في مسيرة العلم البشري وما حققه من إنجازات متسارعة في شتى الميادين، مع أهمية ربط هذا التقدم بنعمة الله وفضله على الإنسان، وما يترتب على ذلك من شكر وامتنان لله أولاً، ثم تقديرٍ لجهود من أسهموا في بناء هذا الصرح العلمي عبر العصور.