ديمة الشريف تكتب لـ “درة”| إجازة من الحياة: عندما يصبح العمر انتظاراً مؤجلاً

يستيقظ في السادسة صباحاً، يطفئ منبه هاتفه بحركة آلية غاضبة، يرتشف قهوته دون أن يتذوق مرارتها، ويمضي نحو يومه بجسد حاضر وعقل غائب. في غمرة الزحام، لا يفكر إلا في شيء واحد: “متى تأتي عطلة نهاية الأسبوع؟”. وعندما تأتي، تمر خاطفة كالبرق، ليعود إلى الدوامة ذاتها، مسلياً نفسه بمسكن جديد: “لم يبق الكثير على الإجازة السنوية”.
تمضي السنوات على هذا الإيقاع اللاهث، ويتحول العمر كله إلى سلسلة من القفزات المتتالية فوق الأيام، بانتظار محطة نهائية تُدعى “التقاعد”، حيث يفترض أن تبدأ الحياة؛ ولكن المفارقة الصادمة، هي أن الحياة تكون قد انتهت بالفعل.
هذا المشهد الرتيب ليس حالة فردية، بل هو المتلازمة الكبرى للعصر الحديث: متلازمة “الهروب المستمر”. إننا نعيش في ثقافة تُقدس الركض وتكافئ الإرهاق، حتى أصبح الإنسان يعامل نفسه كآلة تحتاج بين الحين والآخر إلى “صيانة طارئة” تُسمى إجازة، ليتمكن من العودة مجدداً إلى خط الإنتاج.
وهم المسكنات المؤقتة
في النص الوجداني البديع للكاتبة ديمة الشريف، يتجلى هذا الوعي الصارم. إن الإجازة، بمعناها التقليدي السفر، الفنادق، إغلاق بريد العمل ليست سوى هدنة مؤقتة بين حربين.
يهرب المرء فيها من واقع يضغط على أنفاسه، إلى جزيرة معزولة من الراحة المصطنعة.
لكن المشكلة الأزلية في الهروب هي أنك تأخذ “نفسك” معك أينما ذهبت. تأخذ عقلك المثقل بالقلق، وجسدك المنهك من قلة النوم، وروتك المهجورة التي لم تجد وقتاً لتتنفس.
عندما تنتهي الإجازة، ويعود المرء إلى مكتبه، يصطدم بجدار الواقع ذاته، وكأن شيئاً لم يكن.
هنا يدرك الإنسان
في لحظة صدق مباغتة
أن المشكلة ليست في نقص أيام العطلة، بل في “جودة الأيام العادية”.
الخطأ ليس في العمل، بل في نمط الحياة الذي تم تصميمه بالكامل ليكون عبئاً يُراد النجاة منه، لا عمراً يُراد عيشه.
فلسفة التصميم: من التحمل إلى الصناعة
في كتاب Designing Your Life (تصميم حياتك)، يطرح الأستاذان في جامعة ستانفورد، بيل بيرنيت وديف لودز، سؤالاً جوهرياً يقلب الموازين: لا تسأل: كيف أتحمل حياتي؟
بل اسأل: كيف أصنع حياة أحب أن أعيشها؟
التحمل هو عقلية الضحية؛ عقلية الجندي المحاصر الذي ينتظر الإمدادات أو يرجو نهاية المعركة. أما “الصناعة” فهي عقلية المهندس، والمبدع، والفنان.
إنها تعني الانتقال من دور “المتلقي السلبي” لظروف الحياة، إلى دور “المصمم النشط” لتفاصيلها.
تصميم الحياة لا يعني بالضرورة الاستقالة من الوظيفة، أو الهجرة إلى جزيرة نائية، أو إحداث ثورة جذرية تقلب الاستقرار العائلي رأساً على عقب. هذه حلول درامية غالباً ما تنتهي بالفشل. التصميم الحقيقي يبدأ من الهوامش الصغيرة، من المساحات المهملة في روتيننا اليومي.
أدوات التغيير: القلم، الريشة، والجسد
كيف نحول اليوم العادي من ساحة معركة إلى مساحة عيش؟
تضع الكاتبة يدها على المفاتيح الذهبية:
متنفس لنفسك
(الإبحار بالقلم): الكتابة ليست ترفاً للمحترفين، بل هي عملية “تفريغ شحنات” للعقل المثقل.
أن تكتب يعني أن تضع قلقك على الورق، أن تتأمل أفكارك من الخارج بدلاً من أن تدعها تأكلك من الداخل.
بريشتك نحو الفن: الفن هو المساحة الوحيدة التي لا تخضع لقوانين الإنتاجية والربح والخسارة.
أن ترسم، أو تنسق الزهور، أو تستمع لموسيقى، يعني أنك تمارس فعلاً نقياً لمتعته الذاتية فقط، وهو أعظم ترياق لضغط العمل.
الاستجمام العقلي والجسدي: النوم المريح، الطعام الصحي، والتمارين الرياضية ليست “مكافآت” نمنحها لأنفسنا إذا تفرغنا، بل هي “الوقود الأساسي” الذي بدونه تتلف الآلة. الاهتمام بالجسد هو أولى خطوات احترام الذات.
بناء حياة لا نرجو الهروب منها
إن الهدف الأسمى ليس أن ننجح في حزم حقائبنا والهروب من واقعنا كل بضعة أشهر، بل الهدف هو أن نبني روتيناً يومياً غنياً، ومتوازناً، وصادقاً، لدرجة أننا لا نعود نشعر برغبة جارفة في الهروب منه.
الإجازة الحقيقية ليست مكاناً نذهب إليه، بل هي “حالة ذهنية” نسكنها.
هي القدرة على التوقف عن الركض، والتصالح مع اللحظة الحالية، وإيجاد المعنى في التفاصيل الصغيرة: في كوب شاي هادئ، في صفحة كتاب ممتع، في تمرين صباحي يعيد الحيوية للدماء، وفي عمل نمارسه بشغف واعتزاز.
دعونا نتوقف عن انتظار التقاعد لنبدأ العيش. الحياة تحدث الآن، في هذا اليوم العادي، وفي هذه الساعة تحديداً.
وكما قال الفيلسوف: “الحياة ليست بانتظار أن تمر العاصفة، بل هي في تعلم كيف ترقص تحت المطر”.