جفاف النقاش الأكاديمي وأثره في الباحث

يُصنع كثير من الباحثين لحظة المناقشة في مخيلتهم سنوات طويلة، يتخيلونها لحظة فخر يكلل بها جهد السهر والأسفار والمراجعات المتعبة. لكن الواقع أحياناً يكون مختلفاً تماماً، في بعض القاعات الأكاديمية، وتحديداً في عدد غير قليل من الجامعات العربية وإن وُجد في نظيراتها العالمية بأشكال متفاوتة، تتحول المناقشة إلى مواجهة غير متكافئة. يجلس بعض المرشد الأكاديمي وأعضاء اللجنة وكأنهم في مهمة “اختبار قاسٍ”، يعتمدون أسلوباً جافاً متصلباً، لا يترددون في تتبع هفوات الباحث الصغيرة وتضخيمها أمام الحضور، وكأن الهدف هو إحراجه لا اختبار علمه. وهنا يبرز سؤال جوهري: أليس هذا السلوك خروجاً صريحاً عن المهنية والأخلاقيات الأكاديمية؟
لفهم المشكلة، يجب أولاً أن نفرق بين النقد العلمي الصارم وبين الجفاف غير المهني. فالنقد الحاد الذي يُصاغ بلغة محايدة وموضوعية يمكن أن يكون مفيداً للباحث والحضور ومحفزاً. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول ” البعض” على التركيز في تفاصيل ثانوية أو شكلية، مثل خطأ مطبعي في مرجع بعيد الصلة، أو علامة ترقيم خاطئة، أو غياب فهرس للمصطلحات الأجنبية وبعض الملاحظات الشكلية. فبدلاً من مناقشة هذه الأمور بهدوء أو إدراجها في تقرير خطي للباحث، يقوم بعض المناقشين بإطالة النقاش العلني حولها، وكأنها كوارث منهجية تهدد صلب الرسالة الذي بحث بهِ الطالب . والأسوأ من ذلك حين يصبح الأسلوب ساخراً أو محبطاً، كأن يقول المناقش بعبارات مثل “هل هذا بحث أم مقال صحفي؟” أو “لم نتفق يوماً على منهجية بهذه الطريقة “، فيتحول النقد من نقد موضوعي للرسالة إلى هجوم شخصي على الباحث. أو لتصفية حسابات المرشد الذي اشرف على الرسالة ، وهذا النوع من السلوك، للأسف، عند “البعض “يدل على قلة خبرة أو سوء نية، ولا يخدم العلم بأي حال.
العجيب أن اللوائح الأكاديمية في الجامعات العريقة حول العالم ترفض هذا الأسلوب صراحة. فالقاعدة المنهجية المتفق عليها هي توزيع الأدوار: دور لجنة المناقشة أثناء الجلسة العلنية هو التركيز على جوهر البحث وأسئلته الكبرى، مثل وضوح الإشكالية، تماسك الإطار النظري، ملاءمة المنهجية، مدى إجابة النتائج على الأسئلة، وأخيراً المساهمة الأصلية في المعرفة. أما الملاحظات التفصيلية الثانوية، كأخطاء التنسيق وضعف بعض المراجع والأخطاء اللغوية الطفيفة ونقص الفهارس، فهي بالضبط ما يُرسل خطياً للباحث بعد المناقشة، ليتولى تصحيحها في هدوء. هذا الأسلوب يحقق العدالة، إذ لا يُحاسب الباحث على أخطاء هامشية لا تمس صلب عمله، ويحافظ على وقت اللجنة، وربما الأهم أنه يصون كرامة الباحث ويشعره بأنه نوقش باحترام. وبالرجوع إلى الأنظمة العالمية نجد أن المبدأ نفسه مطبق تقريباً في كل الجامعات الجادة، وإن اختلفت الآليات ، ففي بريطانيا، المناقشة مغلقة وخاصة، والممتحن الخارجي يوجه أسئلة كبرى فقط، ويكتب الأخطاء الشكلية في تقرير “تصحيحات بسيطة” يرسله للباحث. وفي أمريكا، تُعد المناقشة احتفالاً بالبحث واختباراً لقدرة الباحث على الدفاع، لا مطاردة لأخطاء هامشية. أما في ألمانيا وهولندا، فمنصب “المعارض” موجود أساساً لمناقشة الفكرة الأساسية، وليس التفاصيل التحريرية. إذاً، الجفاف غير المهني ليس سياسة معلنة في أي جامعة، بل هو تصرفات فردية نابعة من ضغوط شخصية أو ثقافة خاطئة تخلط بين القسوة والموضوعية.
فإذا ما وقع باحث في هذا الموقف، فماذا يفعل؟ عليه أولاً أن يعي أن هذا السلوك يكشف ضعفاً في المناقش نفسه، لا ضعفاً في الباحث، استراتيجيات التعامل تشمل إعادة الصياغة المحايدة، بأن يقول الباحث: “إذا فهمتُ بشكل صحيح، أنت تشير إلى أن الفصل الثالث يحتاج لمزيد من التحليل الإحصائي”، فهذا ينتزع السخرية ويعيد النقاش إلى مساره المهني ، ويمكن أيضاً طلب تأجيل الملاحظات الثانوية بأدب، بعبارة مثل: “هذه نقطة شكلية مهمة، هل لي أن أحتفظ بها للمراجعة النهائية بعد المناقشة حتى لا نستغرق وقت اللجنة؟” كما أن دور المشرف الأساسي هو حماية الباحث، فإذا ما شعر المشرف بالتعنت غير المهني فعليه التدخل مباشرة وإعادة توجيه النقاش. وفي الحالات المتطرفة التي يتكرر فيها السلوك المسيء أو تتجاوز الإهانات الحدود، يحق للباحث رفع شكوى رسمية لقسم الدراسات العليا أو لجنة الدراسات البحثية – حسب مسمياتها – وهذا ليس ضعفاً بل نضجاً أكاديمياً يحمي حقوق الباحثين.
في النهاية، المناقشة العلمية ليست معركة ينتصر فيها المناقش على الباحث، بل هي حوار يهدف لخدمة العلم وتطوير المعرفة، والجفاف المتعمد الذي يصل إلى الإحراج هو خروج عن هذه الغاية النبيلة، وهو لا يخدم البحث ولا اللجنة ولا الجامعة. الجامعة هي التي تزرع في باحثيها الثقة والنضج النقدي، لا أن تخرج أجيالاً منهزمة تربط النجاح الأكاديمي بالتعذيب الفكري. القاعدة واضحة وبسيطة: انقد الجوهر علناً، وأرسل التفاصيل خلف الأبواب. أي انحراف عن هذه المهنية يجب أن يواجه بالنقد والحوار الجاد، حتى نصل إلى فضاء أكاديمي يحترم الإنسان أولاً، ثم المعرفة.