الثقافية

نادي وسم الثقافي يقدّم مونودراما “البيدق” ويحتفي بحوار نقدي ثري حول جدلية الإمكان والضرورة

الدمام – علي آل عياش  

نظّم نادي وسم الثقافي، بالتعاون مع جمعية الثقافة والفنون بالدمام العرض المونودرامي “البيدق” وسط حضور نوعي من المهتمين بالمسرح والأدب والفكر، في أمسية جمعت بين المتعة الفنية والعمق الفلسفي، وأتاحت للجمهور فرصة التأمل في أسئلة الوجود والاختيار والقدر من خلال معالجة مسرحية مكثفة ومؤثرة.

الكاتب المسرحي الأستاذ يحيى العلكمي
الكاتب المسرحي الأستاذ يحيى العلكمي

وحملت المسرحية، من تأليف الأديب يحيى العلكمي، وإخراج إبراهيم الدوسري، وأداء الممثل عبدالرحمن اليوسف، رؤية فكرية تتجاوز حدود العرض المسرحي التقليدي، إذ انطلقت من صراع فلسفي بين فكرتين أساسيتين؛ الأولى تمثل الإمكان والاحتمالية كما طرحها الفيلسوف لايبنتز، والتي تؤمن بإمكانية التغيير وصناعة البدائل، والثانية تجسد الضرورة المطلقة عند سبينوزا، التي ترى أن الأحداث لا يمكن أن تكون إلا على الصورة التي وقعت بها.

وقد نجح النص في تحويل هذا الجدل الفلسفي إلى تجربة إنسانية قريبة من المتلقي، حيث بدا “البيدق” رمزًا للإنسان العالق بين إرادته الخاصة ومسارات الحياة المفروضة عليه، في لعبة لا يختار قواعدها كاملة، لكنه يحاول أن يمنح وجوده فيها معنى مختلفًا.

ونجح الدوسري في إخراج هذا العمل في ظل الكثير من التحديات
فيما كان النجاح باهرا وساطعا في ظلام مكان الأداء حيث أظهر الممثل عبدالرحمن اليوسف أداء رائعا استخدم فيه فقط إمكانياته الجسدية وتنوع نبراته وأنفاسه وأهاته وقد حلق عليه الجمهور كتحديا أخر ليصلنا الإحساس بشكل رائع ويختم بتصفيق حار من الجمهور.

وعقب العرض أقيمت جلسة نقاشية نقدية شارك فيها عدد من الحضور والمهتمين بالمسرح، تناولت الجوانب الفكرية والفنية للعمل، حيث أشادت المداخلات بثراء النص وقدرته على إثارة الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات، كما توقفت عند العناصر السينوغرافية التي اعتمدت على رمزيتي القيد والكفن بوصفهما دلالتين بصريتين منسجمتين مع بنية النص ومعانيه الوجودية، فيما أشار بعض المتداخلين إلى إمكانية تعزيز المشهدية بإضافة رمز بصري يمثل فكرة “الإمكان” والأمل، مثل مفتاح أو مظلة أو أي عنصر بسيط يوازن بين ثنائية القيد والانعتاق.

د. عبدالعزيز آل سليمان
د. عبدالعزيز آل سليمان

ومن أبرز المداخلات مداخلة د. عبدالعزيز آل سليمان حيث قال : نحن في حضرة نص مسرحي بليغ، ناصع الجمال، ناجح متجلٍ ، بكل المعايير..

فقد جاء نَص أ. يحيى العلكمي مكتملاً: بنيةً درامية رصينة، ورؤيةً عميقة، ولغةً رفيعةً محسوبة نابعة من تلك الرؤية الذكية.

استطاع أ. يحيى تأثيث نصه بسينوغرافيا مكتوبة دقيقة ومؤثرة غاية التأثير في بنية النص دالة إلى مضامينه العميقة، والمتسعة..
سينوغرافيا الأصوات، والأضواء، والحركة -على وجه الخصوص- بما رسمت من علاقة حيّة واعية مقصودة بالفضاء المسرحي وسيميائية النص..

كُتبَ المدخل بلغةٍ رفيعة محترفة، تذكرنا، ربما، بالمسرح الملحمي القدري الإغريقي وتضعنا، نحن المتلقين، في أجوائه..

ثم جاء مشهد أول اُستهل بمؤثرات بصرية وسمعية دالة: عتمة، وأصداء رياح، ونعيق غراب، وصرخة رعب،
ثم موسيقى لبيتهوفن، هذا الموسيقي الذي عرف بسمفونياته الملحمية المتحدية والمواجِهة للمصائر الكبرى…
فضلاً على ما عرف عن قوة إرادته ونجاحه في مواجهة مرضه وإصابته في أعز ما يملك كموسيقي:( فقدان السمع والصمم الكلي).

المشهد الأول:
نحن أمام بيدق بشري يتحرك فوق رقعة شطرنج.. ترميز أليغوري مثقل بالدلالة..
جسد مقيد معزول، وروح متألمة مهيضة، لكن فيها بعض نَفَس وشيئاً من مقاومة ..
البيدق البشري يناجي نفسه.. يخاطب جمهوره (الناس).. يتحدى ظروفه.. يحاول الخروج من سجنِ كونه مجرد بيدق ليس له إلا أن ينفذ الأوامر، مسلوب الرأي والإرادة..

المشهد الثاني :
استهلال دال: صهيل حصان، وجري خيول، وضوء يسلط على البيدق البشري..
هو يحاول أن يأخذ قدره على عاتقه لكنه رغم قوته يعجز .. لا قرار له.. يصطدم بجدران.. يحاول النفاذ منها .. بصعوبة يتمكّن، لكنه لن يعيد الكرّة، ويستسلم..

المشهد الثالث :
يجري فيه تأكيد مصير البيدق البشري.. قوةٌ هو.. لكن لا إرادة.. سلبته إياها قوى غاشمة غير مرئية .. السلطة هنا بمختلف تجلياتها…..

المشهد الرابع:
يدخل البيدق البشري معركة دامية لا يعرف أسبابها، ولا كُنه العدو..
صحيح أنه يريد أن يقول لنا شيئاً، ملمِّحا، لكنه يعجز خوفاً من تلك السلطة القاهرة، فيكتفي بشيء من الدوران المهلوس حول الموضوع.

البيدق البشري كانت له مطالب وحاجات كبيدق شجاع، وإرادة صغيرة لكن تلك القوة/ السلطة الجائرة غير المرئية لا تكف عن مراقبته، وقمعه، وسحق إرادته..

ينتهي المشهد والمسرحية بتسجية هذا الجندي وتكفينه على وقع الأيقونة الشعرية الغنائية التي كتبها الشاعر الفلسطيني سميح القاسم وغناها اللبناني مارسيل خليفة..
: منتصب القامة أمشي
منتصب الهامة أمشي
…..
وأنا أمشي وأنا أمشي..

في تحدٍ وإصرار واضحي الدلالة..

وختم آل سليمان بقوله: الشطرنج رمز هنا للعلاقة القائمة بين الفرد والسلطة بمختلف تجلياتها على مسرح التاريخ .. التاريخ البشري الفردي منه، والجمعي..
تلك التجليات الواسعة والمتشابكة: النفسية، والاجتماعية، والفكرية، والسياسية، وحتى الوجودية..

ثمة قوى خفية تقمع هذا البيدق البشري وتختزله، وتحجمه، وتسلبه إرادته، وتتحكم في مصيره..
لكنّ عليه ألا ييأس،
ولابد له من أن يكسر القيد، وأن يصحو من هلوسات ضعفه، ومن مَواته وموته.

قال محمود درويش:
” يموت الجنود مراراً،
ولا يعلمون إلى الآن
من
كان
منتصرا”.

الكاتب والناقد مأمون عبدالقادر
الكاتب والناقد مأمون عبدالقادر

وكذلك لخص الناقد الأستاذ مأمون عبدالقادر المسرحية في نقاط على النحو التالي :

1- نص مسرحية (البيدق) أثار الصراع بين فكرتين :
أ- الإمكان والاحتمالية ( possibility )
التي يتبناها ( ليبتنز – 1716م).
توجد إمكانية لتغيير الأشياء بالفعل.
ب- الضرورة المطلقة ( Necessity )
التي يتبناها ( سبينوزا – 1677م).
لا يمكن للأحداث أن تكون على غير ما هي عليه.

2- (المشهدية / السينوغرافية ) :
( القيد والكفن ) ملائمة لمعنى النص، ويمكن زيادة تأثير المشهدية بإضافة عنصر يمثل ( الإمكانية ) ك ( مفتاح ) أو ( مظلة) ، او أي شيء بسيط يحمل معنى الأمل.

الممثل عبدالرحمن اليوسف بطل العمل
الممثل عبدالرحمن اليوسف بطل العمل

كما حظي أداء الفنان عبدالرحمن اليوسف بإشادة واسعة من الحضور، لما اتسم به من حضور مسرحي وقدرة على تجسيد الانفعالات والتحولات النفسية للشخصية، مع الإشارة إلى أن بعض تفاصيل الأداء تأثرت أحيانًا باختلاف زوايا الرؤية لدى المتلقين وعدم استخدام ميكروفون يساعد على وصول الصوت بوضوح إلى جميع أرجاء القاعة.

وفي ختام الأمسية، كرّم نائب رئيس نادي وسم الثقافي الأستاذ عدنان المعيبد، نيابة عن رئيس النادي المهندس سعد بن راشد الشبرمي، فريق العمل المسرحي، حيث سلّم الدروع التقديرية للمؤلف يحيى العلكمي، والمخرج إبراهيم الدوسري، والممثل عبدالرحمن اليوسف، تقديرًا لما قدموه من عمل فني وفكري متميز.

واختُتمت الفعالية بالتقاط صورة جماعية تذكارية جمعت المكرّمين وأعضاء النادي والحضور، في مشهد عكس أجواء الألفة والتقدير التي صاحبت الأمسية.

وأكد الحاضرون أن مسرحية “البيدق” تمثل محطة إبداعية اللافتة في عودة المسرح بعد غياب طال وأنها قدمت نموذجًا للمونودراما القادرة على الجمع بين العمق الفكري والجاذبية الفنية، لتجعل من مساء الخميس ليلة ونيسة ثريةً بالمتعة والمعرفة والحوار الثقافي الخلّاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى