وحدة النبض واختلاف النبرة

بقلم/ بشرى محمد الحويطات  

قال الجاحظ: “المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجميّ والعربيّ، والبدويّ والقرويّ، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ”،وهذا ما يثبته الواقع الأدبيّ في بعض الأحيان؛ فالمشاعر الإنسانية واحدة، كلنا نعرف الحُب، وتذوقنا مرارة الفقد، ونتغنى بالفخر، لكنَّ المبدع هو الذي يصطاد من شوارد الأفكار ما لذَّ وطاب لسّامع.
قد لا يعجبنا ما سلكه الشاعر، وقد يصدمنا بجرأة فكره، أو بساطته، لكننا لا نملك إلّا التصفيق لما فاض به من جمال، فالمبدع مبدع وإن خالف هواك في التعبير.
وفي هذا المقال جمعت نماذجاً التقت فيها الفكرة، واختلفت الأوتار، فبين فضاء الفصيح الممتد، وعفويه الشعبيّ العذبة، نكتشف معاً كيف للتباين أن يصنع جمالاً لا يملك المنصف إلا الإعجاب به.
فمثلا بشار بن برد شاعر أعمى، حين عشق قال:
يا قَومِ أَذني لِبَعضِ الحَيِّ عاشِقَةٌ وَالأُذنُ تَعشَقُ قَبلَ العَينِ أَحيانا
قالوا بِمَن لا تَرى تَهذي فَقُلتُ لَهُم الأُذنُ كَالعَينِ تُؤتي القَلبَ ما كانا
وحين تجددت المعاناة لشاعرٍ بدويّ، ترنم قائلاً:
الله خذا عيوني وجابك يالعنود تكفين لا توخذ عيوني مرتين
هذا أبدع وذاك أبدع رغم اختلاف طرق تعبيرهم.
ولا يقف التباين عند حدود عشق شغاف العتمة، بل يمتد إلى تكوين الخوف الإستباقي، الذي يولد من رحم مخاوفنا الإنسانية، فالخوف من الفراق طبيعة في قلوبنا، وكأنها التوجّس من غدٍ بلا أحبه، وفي هذه المساحة التقى خوف الشاعر محمد المقرن بلغته الفصيحة الشجيّة، حيث قال:
ورأيتُ حلماً أنني ودَّعْتُهم فبكيتُ مِن ألم الحنين وهُم معي
‏مُرٌ عليَّ بأن أُودّعَ زائرًا كيفَ الذين حملتُهُم في أضلُعي ؟!
مع ما ترجمه محمد ابن فطيس بنبض شعبيّ عذب، فوصف قلقه قائلاً:
إن شفتني ضايق و اهوجس واسبّه أخاف غدر الوقت و الوقت دورات
لا تحسب ان دمعي نزل دون سبّه ابكي من الفرقا وهي ما بعد جات
فإن وصف الفصيح ألم الأضلع، شرع البدويّ في وصف العاطفة وغدر الوقت والوقت غدّار.
وفي نموذج آخر يرتفع بنا الإبداع نحو فردوس الطهر والعفة، حيث التقى الفصيح والشعبي في استدعاء الرمزية الدينية للتعبير عن تمنّع الحبيبة واستحالة الوصل، لذلك قال الشاعر:

دليل إن اسمك العذري يبرهن عفة مسميك سمي أم المسيح اللي بلاها الله وابراها
أنا لا شاقني وصلك حذاري لا تظن أجيك أحد النفس عن شوفة عيون(ن) لا عدمناها
مهّي صدة جفا مني تصبّر والحكي ياتيك مروفة عرض لاشناب الرّجال اللي حشمناها
بينما قال الفصيح:
رأَيْتُ شَرِيْفَةٌ تُحْي النّفوسَ ويرخُصُ في مَودَتِها النّفيسَ
سَألتُها ابْنَة مِلتنا؟ أَجَابَتْ: وهل لِلحُب دِينَاً كَي تَقِيسَ
طَلبتُ الوصلَ رَدّت ذا مُحالٌ فَراهِبتٌ أنا مِنْ قَومِ عِيسى
اتفق الشاعران على قلب المفهوم التقليدي للحب؛ فلم يعد الوصل هو غاية الغايات، بل تحول الاكتشاف إلى ذروة التجلي الجمالي في النصين، ليس الصدُّ جفاءً، ولا الفراق خذلاناً، بل هو صيانةٌ للجمال كي لا يبتذله اللقاء العابر.
لقد أدرك كلاهما بذكاء الشاعر أن بعض الحب لا يحيا ويخلد إلا إذا ظلَّ عصياً على اللمس، كالضوء، فقد غادر كلاهما ضيق الجسد إلى رحابة المعنى، فصارا مبدعين رغماً عن كل هوى.
وفي الختام، كل ما يعبّر عن الإنسانية جميل، وإن خالف هواك، فأحدهم قد لا يملك إلّا قلماً، يعبر به عن فجوات روحه، وتعب كاهله، فإن لم تكن شراعاً للإبداع حرفه، لا تكن محطماً له.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى