رحلة السقوط من فردوس وهمي إلى يباب واقعي

بقلم : حمود الصهيبي  

رواية “الفردوس واليباب” للكاتبة السعودية ليلى الجهني، الصادرة عن منشورات الجمل، هي عمل روائي يعتمد على تيار الوعي والسرد الداخلي المكثف.
ستكون هذه القراءة على طريقة تطبيق الخمسة عشر محطة لكتابة الرواية تبعًا لمنهج( Save the Cat ) ، مع الأخذ في الاعتبار أن الرواية لا تتبع بالضرورة بنية كلاسيكية صارمة، بل تعيد تشكيل المحطات بطريقة سائلية وحالمة.
رواية “الفردوس واليباب” لليلى الجهني لا تتبع بنية “إنقاذ القطة” الكلاسيكية التي تفترض بطلاً ينقذ نفسه في النهاية. هنا، البطلة تختار الموت، ولكن المنهج يساعدنا في رؤية كيف أن المحطات الـ 15 تتحقق على المستوى النفسي والرمزي وليس فقط على مستوى الحبكة التقليدية. الرواية أقرب إلى تيار الوعي والكتابة التلقائية، حيث تتساقط الذكريات مثل الفسيفساء. الموت فيها ليس هزيمة كاملة، لأنه يتحول إلى نص مكتوب – وهذه هي خلاصة صبا الوحيدة.

تطبيق الـ 15 محطة على رحلة البطلة “صبا عبد العزيز”
1. الصورة الافتتاحية
“أجل، لم يبق شيء. قلتها في مساء خطبتكما ومضيت بعيداً عن العيون الواسعة الكحلاء…”
تفتتح الرواية بصورة انهيارية: بطلة الرواية “صبا” تغادر عالم الأزياء الفاخرة (جيفنتشي، إيف سان لوران، الدانتيل، الحرير) وتتوجه إلى شوارع جدة الصاخبة. المشهد الافتتاحي يضع القارئ مباشرة في قلب الفقد والاغتراب. صبا ليست في فردوسها، بل في “يباب”. الجملة الافتتاحية (“لم يبق شيء”) تشبه طلقة البداية، وتعلن أن هذه الرواية ستكون رحلة نحو القاع، وليس نحو الخلاص. إنها لمحة عن “النهاية قبل البداية”.

2. الإعداد (مرحلة التعريف بالعالم)
ينتقل السرد إلى تعريفنا بعالم صبا الداخلي والخارجي:
أ. جدة الجديدة: مدينة غريبة تمشي فيها الكلاب بأطواق جلدية، والفتيات بسراويل قصيرة، والمسلسلات المكسيكية المدبلجة. صبا تشعر بالصدمة: “منذ متى بدأ الناس يسيرون بكلابهم في شوارع جدة؟”
ب. المفقودات: عامر (الحبيب الذي خذلها)، خالدة (الصديقة التي ستتزوجه)، الطفل المجهول (الحمل الذي لم يمنح اسماً).
ج. العلاقات الأسرية: أم تخاف على ابنتها، باب غرفة يطرق باستمرار.
د. الثيمة الأساسية: “الموت والكتابة والحب كطقس أخير”. صبا تستعد لشيء نهائي.

3. التلميح إلى الدرس الحياتي
“أريد أن أغني ألمي. أشاركني يا طفلي؟”
الدرس غير مصرح به بشكل مباشر، لكنه يتسلل عبر الأسئلة الوجودية: هل يمكن للإنسان أن ينجو من “الخطيئة” في مجتمع يقدس “النقاء”؟ تنظر صبا إلى مجتمع جدة بازدراء، لكنها في الوقت نفسه تتبنى منطقهم في الخطيئة، كما توبخها خالدة بعد موتها: “لم تكوني حكيمة… سمحت لخطأ أن يحطمك… لأنك تفكرين بمنطق الخطيئة – مثلهم”.
الدرس الضمني: أن الكمال وهم، وأن الكسر الصغير لا يستحق الموت.

4. الحدث المحرض

الحدث المحرض ليس حدثًا واحدًا، بل سلسلة من الصدمات تظهر عبر ذاكرة صبا:
أ. اكتشاف حملها من عامر خارج إطار الزواج (المشهد الدرامي حيث تصرخ: “صبا، أنا، أنا حامل”).
ب. خطوبة عامر من خالدة (صديقتها) بعد ساعات من تركها.
ج. الوشاية والرجم الرمزي (الحلم أو الذاكرة حيث يتآمر أهل الحي: “ارجموها… سنرميها في البحر… ندفنها في الصحراء”).
هذه الأحداث هي التي دفعتها إلى مغادرة عالم “الفردوس” – الشاليه على البحر – والدخول إلى عالم “اليباب”: جدة القاسية.

5. الجدال مع الذات
قسم كبير من الرواية هو جدال داخلي طويل:
أ. “هل سأموت؟”
ب. “هل أستحق الموت؟”
ج. “هل الحب كان خطيئة أم كان جنونًا؟”
د. “لماذا تركتني أمي وحدي مع هذا الألم؟”
وهذا الجدال يتجسد في مشهد الوردة المكسورة (ص71): صبا تصنع وردة من عجينة السيراميك، تنكسر بتلة صغيرة، فتسقط الوردة في سلة المهملات. تتعجب خالدة: “تشوهتُ. سأصنع واحدة أخرى”. هذا هو منطق صبا: عيب صغير = موت.
السؤال الذي تطرحه الرواية هنا: هل كان بإمكان صبا اختيار الحياة بدل الموت، رغم الكسر؟

6. الانتقال إلى العالم الثاني:
العالم الأول: “الفردوس” – الشاليه على البحر، الليالي مع عامر، الجنون الممض، الحب الممنوع، الدانتيل والشموع.
العالم الثاني: “اليباب” – غرفة صبا المغلقة، الأوراق المبعثرة، ذكريات الجامعة والأدب الإنجليزي، الانتظار للموت، وحرق الكتب في الشرفة
الانتقال يحدث في الصفحات الأولى: “تركت كل ذلك العالم وخرجت إلى جدة… إلى الشوارع والأزقة”, لكن جدة ليست مجرد مدينة، بل حالة ذهنية من العزلة والاغتراب بعد السقوط.

7. القصة الثانية:
القصة الثانية في الرواية – وهي ليست علاقة حب بل علاقة صداقة/اتهام – هي علاقة صبا بـ خالدة، الصديقة التي ستتزوج عامر. خالدة هي “الأخت/العدوة/الضمير”. تظهر خالدة في ذاكرة صبا كشاهد على الجريمة (الحب) وكحاكمة بعد الموت، وفي مشهد الموت، تخاطبها صبا: “اغفري لي إذ ربما غفرت لنفسي حينها”.
القصة الثانية هي رحلة طلب الغفران، ليس من الله فقط، بل من صديقة خذلتها (أو خذلتها هي؟) ومن الذات.

8. اللهو والمرح
في رواية بهذا الحزن، يبدو “اللهو والمرح” مستحيلاً. لكنه يتحقق بشكل مرير وساخر:
أ. السخرية من مجتمع جدة الجديد: الكلاب الفاخرة، والمسلسلات المكسيكية، والفتيات شبه العاريات. صبا تراقب بتعاليم ومرارة.
ب. الرسم على الرمل: تكتب صبا في خيالها على شاطئ البحر اسمها واسم خالدة، وترسم يمامة ووردة (ص81).
ج. تذكر الأدب الإنجليزي: شكسبير، فرجينيا وولف، سرطان البحر في دلو (غرفة يعقوب) – رمز سخرية من عجزها.
هذه ليست متعة بقدر ما هي مهزلة سوداء، لكنها تخدم وعد القصة: “رواية عن امرأة تحترق قبل أن تحترق”.

9. نقطة المنتصف:
نقطة المنتصف هي اللحظة التي تتحول فيها صبا من “ضحية” إلى “فاعلة” – لكن في اتجاه الموت.
تحدث في منتصف الرواية تقريبًا (ص36) عندما تستعيد صبا الفردوس المفقود (Paradise Lost لميلتون) وتربطه بحالها:
“أي شقي أنا! في أي اتجاه ينبغي أن أتجه؟ غاضبًا بلا حد، ويائسًا بلا نهاية؟ … إذن وداعًا للأمل، ومع الأمل وداعاً للخوف، وداعاً للندم!”
وهذه اللحظة هي قرارها بالاستسلام للموت. لم تعد تقاوم. المشهد الموازي: حرق الكتب في الشرفة (العالم الثاني). النقطة الوسطى هي اتخاذ قرار الرحيل.

10. الأشرار يقتربون:
“الأشرار” في هذه الرواية ليسوا شخصيات بقدر ما هم أفكار وأصوات:
أ. صوت المجتمع المتآمر: الحلم/الذاكرة حيث يقرر أهل الحي رجمها ودفنها في الصحراء كي تعوي الذئاب.
ب. عامر: الذي يتحول من حبيب إلى ديك المزبلة – يكرر جملته الآلية: “الحب مزبلة وأنا ديكها المؤذن”.
ج. المرأة التي تحقنها (الممرضة؟ الطبيبة؟): مشهد غامض حيث تفرغ حقنتها في طرف الأنبوب، وصبا تتأوه (ص24). وهذا اقتراب من الإجهاض أو من الموت السريري.
الضغط يتزايد: فقدان مريم (الحبيبة الثانية؟)، خسارة السمعة، تهديد القتل من منصور (في ذاكرة مركبة)، والأشرار يطوقونها.

11. وضاع كل شيء:
لحظة “الموت الظاهر” تأتي عندما تحترق الكتب في الشرفة. لم تعد مجرد حرق أوراق، بل حرق القلب:
“الحرائق التي التهمت الكتب في شرفتي اليوم التهمت القلب أيضاً” (ص13). ثم لحظة الإعلان عن وفاتها (ص36 – 37):
“كنت أتصل بك… رن الهاتف طويلاً دون أن يرفعه أحد، ولم أدر أنك غائبة عن البيت، عن الحياة بأسرها”.
هنا نفهم أن صبا قد ماتت. “وضاع كل شيء” يعني ضياع الحياة نفسها. المشهد: سيارات الدفاع المدني، صوت صفارات الإنذار الممتد، وأم صبا تنتحب أمام باب غرفتها.

12. ليلة الروح المعتمة
ليلة الروح المعتمة هي الخاتمة بعد الموت – منظور خالدة التي تكتب لصبا بعد رحيلها:
“ما أضعفك! وما أتفه الدنيا!” (ص62).
ثم سؤال خالدة المرير:
“لماذا تموتين الآن في هذا التوقيت الموجع؟ لماذا ينبغي أن ترحلي في زمن يرحل فيه كل شيء… ولا يبق غير الذل؟” (ص77).
هذه هي لحظة التأمل العميق: لماذا اخترت الموت على العيب؟ لماذا الوردة المكسورة استحقت المهملات؟

13. النقلة:
النقلة – في إطار سردي غير خطي – هي انتقال خالدة من الحداد إلى الفهم، ثم إلى الكتابة. خالدة تقرر أن تكتب رسالة طويلة لصبا (الرواية بأكملها هي تلك الرسالة). الحل ليس في إنقاذ صبا (لقد ماتت)، بل في تفكيك منطقها وكشف عبثية “الكمال” الذي قتلها، والنقلة نحو الوعي النقدي بدل البكاء العقي.

14. الخاتمة
الخاتمة مزدوجة:
أ. موت صبا يتحقق: “لن أتسلق جانب الحزن… ها أنا أغوص قريباً من القاع وحيدة” (ص36).
ب. لكن هناك خاتمة ثانية من خلال الأمل الرمزي: صبا تسأل خالدة أن تغفر لها، وخالدة تفعل، وربما هناك لمحة من تجاوز: ذكر الينبوع (ص83)، وإمكانية أن “جدة” ستستمر في حكاياتها رغم كل شيء. الخاتمة ليست سعيدة، لكنها مكتملة وموجعة: الموت كخيار، والذاكرة كخلود.

15. الصورة الختامية:
الصورة الختامية في الرواية (ص81 – 84) هي مشهد على شاطئ البحر:
“تكتبين اسمك واسم خالدة. ترسمين يمامة صغيرة وتحتها تكتبين: جدة، وترسمين وردة بلا لون”.
“يلوح وحيداً على الرمل، يجابه الموج فإذا انحسر الموج بقيت رسوم منه وأطلال تفقين عليها وتبكين”.
ثم الخاتمة الحقيقية: خالدة تقف أمام جدة وكأنها جزء من تاريخها السحيق، وجدة تحملها مثلما حملت من قبلها كل العابرين.
الصورة الختامية تتناقض مع الافتتاحية: الافتتاحية كانت خروجًا وغضبًا وهروبًا من عالم “الدانتيل”، والصورة الختامية هي استسلام للأطلال، لكن مع قدرة على الكتابة عنها، وعن جدة، وعن كل ما فُقد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى