عرعر النادي والذاكرة

في زيارة حَمَلَت بين طياتها الكثير من المعاني الثقافية والإنسانية، تشرفت بزيارة النادي الأدبي بمدينة عرعر، ذلك الصرح الثقافي الشامخ الذي يُعد منارة أدبية في منطقة الحدود الشمالية، وما إن وطئت قدماي أرض النادي حتى أُسديت إليَّ حفاوة بالغة وكرم كبير من القائمين عليه، الأمر الذي جعل من هذه الزيارة تجربة لا تُنسى.
يُعد نادي الحدود الشمالية الأدبي، الذي يقع مقره في مدينة عرعر، أحد أبرز الأندية الأدبية الستة عشر المنتشرة في المملكة العربية السعودية. تأسس النادي رسمياً عام ١٤٢٨هـ / ٢٠٠٧ م، ويهدف إلى دعم وتحفيز القدرات الشابة من أبناء المنطقة والعناية بهم في مختلف المجالات الأدبية والثقافية، ويشرف على النادي حالياً وزارة الثقافة السعودية، ليؤكد بذلك المكانة المهمة التي تحتلها الثقافة والأدب في مسيرة التنمية الوطنية.
وكان في استقبالي عند الوصول رئيس مجلس إدارة النادي، الأستاذ القدير ماجد بن صلال المطلق، ويرافقه الأستاذ الأديب عبدالله الجعيثن، حيث بادراني بالترحيب وكأني ضيف عزيز عليهم منذ سنوات، هذا الاستقبال الكبير، الذي ضرب أروع الأمثلة في الكرم وحسن الضيافة، كان بحق خير مقدمة لزيارة ميمونة.
تجدر الإشارة هنا إلى المكانة الأدبية رفيعة المستوى التي تحيط بشخصيتيْهما؛ فالأستاذ ماجد بن صلال المطلق هو شخصية تربوية وثقافية مرموقة، وهو الذي قاد جهوداً حثيثة للحصول على أرض النادي والإشراف على بناء هذا الصرح الثقافي، والأستاذ عبدالله الجعيثن ترك بصمة واضحة في الساحة الأدبية والثقافية، وله جهود ملموسة في تقديم ورش أدبية وثقافية، إن وجود مثل هذه الشخصيات خير دليل على المستوى الثقافي الراقي الذي يقدمه النادي.
بعد جلسة الترحيب والحديث الودي، أخذني الأستاذان الفاضلان في جولة شيّقة بدأناها من مكتب رئيس النادي، حيث دار نقاش حول أهم الخطط والبرامج التي يعتزم النادي تنفيذها، وبعدها انتقلنا إلى ما يشبه القلب النابض للفعاليات الثقافية، ألا وهو قاعة الاحتفالات وقاعة المحاضرات. وكما يقول المثل الشعبي، زادتني هذه القاعات الفسيحة فخراً واعتزازاً بما وصلت إليه الحركة الثقافية في منطقة الحدود الشمالية، ولقد تأكد لدي، مما لمسته من اهتمام بالغ في ترتيبات القاعات وتجهيزاتها، أن النادي يولي عناية فائقة لإقامة الندوات والمحاضرات والأمسيات الأدبية على أكمل وجه، حيث يتسع المبنى المكون من طابقين لمسرح رئيسي يستوعب أكثر من ٤٠٠ شخص، إضافة إلى قاعات تدريبية ذكية.
ومن أبرز محطات الجولة، وأكثرها إمتاعاً، زيارة المكتبة المركزية التي تحمل اسم الأستاذ الدكتور عبدالعزيز السبيل، وقفت هناك طويلاً أتصفح أروقة المعرفة بين دفتي آلاف الكتب التي تحتضنها هذه المكتبة الحافلة، وبعد ذلك، اتجهنا إلى جناح آخر لا يقل أهمية، وهو مكتبة الطفل، إن تخصيص جناح كامل للطفل يحمل اسم الراحلة هناء المغربي، التي كان لها دور في تعليم المرأة في مدينة عرعر، وسُمّي باسمها وفاءً لها، فيه رسالة واضحة على اهتمام النادي بتنشئة جيل محب للمعرفة والقراءة منذ نعومة أظفاره. كل هذا جعل من النادي بيئة جاذبة ومشجعة على القراءة، وهو أمر يستحق الإشادة والتقدير.
وقبل أن أودّع النادي، لم يَفُتْهما أن يطلعاني على بعض الصور عن تاريخ مدينة عرعر، وسردا لي حكايات جميلة عن التاريخ العريق للمنطقة، لاسيما ما يتعلق بـ”عين زبيدة” التاريخية، تلك العين التي تروي الحجيج منذ قرون وتمتد آثارها حتى أطراف المنطقة، ثم تجول بنا الحديث حول مشروع “التابلاين”، وكان لنا معه وقفة شيّقة، وتأملنا ما يحمله من دلالات روحية وحضارية،حيث اطلعني على صور نادرة متعلقة بالتابلاين – مشروع أنابيب البترول التاريخي الذي عبر صحراء الحدود الشمالية في الخمسينيات الميلادية. وقد تبين لي أن الأستاذ ماجد بن صلال المطلق، مع زميله الباحث مطر عايد العنزي، قد أنجزا كتاباً توثيقياً قيماً بعنوان: “التابلاين ودوره التنموي في منطقة الحدود الشمالية”. لقد كان من الممتع حقاً مطالعة بعض الصور القديمة التي تعود لمرحلة الخمسينيات، والتي تبين التحول الكبير الذي أحدثه هذا المشروع العملاق في المنطقة، حيث تحولت محطات الضخ آنذاك إلى أحياء سكنية متطورة. يلامس هذا الكتاب هذا الإرث التاريخي الفريد، ويوثق لمرحلة مهمة من تاريخ المملكة.
ولم تخلُ نهاية هذه الجولة المباركة من مفاجآت سارة، إذ قام الأستاذان الكريمان بتقديم مجموعة من الإصدارات الأدبية القيمة كهدية تذكارية من النادي. هذه اللفتة الكريمة، التي تؤكد إيمان القائمين على النادي بأهمية نشر المعرفة وتشجيع القراءة، جعلتني أغادر المكان وفي قلبي أريحية كبيرة.
وفي النهاية، لا يسعني إلا أن أرفع أسمى آيات الشكر والعرفان للأستاذ الفاضل ماجد بن صلال المطلق والأستاذ القدير عبدالله الجعيثن، على ما أبدياه من كرم الضيافة وحسن الاستقبال، وعلى الجهود الجبارة التي يبذلانها من أجل إثراء الحراك الثقافي في منطقة الحدود الشمالية، راجياً من الله العلي القدير أن يديم على هذا الصرح الثقافي نعمة التألق والازدهار.


