الحياة خارج التغطية

بقلم/ مها العزيز  

منذ سنوات ليست ببعيدة أصبحنا نحن البشر نعيش داخل قوقعة نشعر بها ولا نراها ذبذباتها تحيط بنا شبكة لا مرئية لتصبح حياتنا وأعمالنا وتحركاتنا وتصرفاتنا كلها داخل هذه الشبكة التي اصبحنا نعتمد عليها في كل أمور حياتنا من أصغر الأمور وأدق التفاصيل الى اكبر المهام ، ألا وهي الشبكة العنكبوتية فلا نشعر بكمال حياتنا إلا بداخلها وإن تجرأنا على الخروج منها نعود سريعاً ، ا فلا حياة بالخارج ولا يوجد إلا الصمت التام والركود .
نخاف من مجرد التخيل بتوقف الشبكة أو انعدامها وكلما مرت الأيام نصبح اكثر اعتماداً عليها بل نوقن بداخلنا بالحقيقة المفزعة وهو بتوقف الحياة على الأرض بدونها .
الاعتماد الكلي على الشبكة ووجود التغطية الكافية لها اصبح الشاغل والهاجس لنا فأعمالنا ستتوقف بدونها ، ومنازلنا أصبحت تعتمد على التقنية الحديثة وكل ما حولنا يدار ويعمل بوجودها .
حاولت ان ابحث وأعصر ذهني ان اكتشف منظمة أم مؤسسة لا تعتمدها ولكنني فشلت فالمدارس والمنظومات التعليمية ستتوقف بدونها ، والمستشفيات والأطباء والصحة محتاجين لها ، ومجالات العمل والشركات لن يستغنوا عنها وإن توقفت انهارت صروح تجارتهم وخسروا .
اصبح الصغير قبل الكبير يحتاجها لإنجاز مهامه أو عمله .
الحياة خارج التغطية تجربة أصبحت مرعبة للكثيرين ، فقد قدمنا الكثير من التنازلات لنعيش وهم السعادة المزيفة وتركنا العيش كأناس طبيعين في حياة طبيعية وأجبرنا أنفسنا بالاعتماد عليها مجبرين أو مخيرين.
اصبحنا بالغالبية نتكل ونعتمد عليها اكثر من اعتمادنا على جهودنا الشخصية تارة بأعذار حقيقة مثل اختصار الوقت والجهد وتارة بدون داع ضروري لذلك ، وهكذا اصبح الجيل الجديد ، يؤمر المحمول ليضع له المنبه أو يستخبر عن احوال الطقس وحتى ينهي مهامه بدلاً عنه ، وأصبح الطالب يسأل الإجابة مباشرة بدلاً من ان يفكر فيها .
حياتنا داخل الشبكة أصبحت اتكالية واصبح الكسل يغلب الأغلبية فلا وقت للتفكير أو البحث فالإجابة موجودة والعمل سينتهي بدقائق بدلاً من ان ننتظر مدة طويلة كانت أم قصيرة ، ففقدنا الصبر والحماس فقط نريد ان ننجز بسرعة وننتهي فالوقت يجري ونحنا أيضاً نتسابق معه بالجري والتنافس .
نسينا ان نعيش كأناس طبيعين ونتعامل بطبيعتنا ، ففقدنا دفء اللقاء والأحاديث الودية بإجتماعاتنا ، لم نعد كما كنا قبل ان ندخل قوقعة الشبكة و قبل ان تفترسنا الشبكة ، فقد أبهرتنا بحلولها لدرجة إدماننا عليها واصبحت هي المشكلة التي لانستطيع التخلص منها ،فلا حياة خارج التغطية وإن خرجنا توقف كل شيء بحياتنا ولكن ليس ذلك كل شيء فلازال هناك بصيص من الأمل موجود فقط يحتاج التعزيز والإرادة فليست المشكلة في الشبكة نفسها ولكن المشكلة الحقيقة فينا نحن !!
نعم ، فهي لم تستحوذ علينا إلا بإرادتنا و كذلك نحن بإرادتنا نستطيع تقنينها في حياتنا .

همسة تعامل بحذر :
تعامل معها كدواء وقت الحاجة وبجرعات يتم تحديدها ، فالحقيقة ان وجودها جداً ضروري في الحياة لجميع التعاملات التي تجري حولنا ، والاعتماد الأولي عليها في جميع المنظومات والهيئات ولكن ، تعامل معها بحذر وفي الأمور الضرورية وقلص مدة الحاجة اليها قدر المستطاع وأعتمد على نفسك بالأمور البسيطة وهكذا سترى مساحة الحرية ستزيد لديك واعتمادك عليها سيقل وهذي هي المعادلة الصحيحة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى