خلود اللهيبي تكتب لـ “درة”| حين يعلّمنا الفقد كيف نقف من جديد

الفقد ليس حدثًا عابرًا يمر بنا ثم ينتهي، بل تجربة تترك أثرها في أعماق الإنسان، تعيد تشكيل نظرته للحياة، وتكشف له من نفسه ما لم يكن يعرفه من قبل. قد نفقد شخصًا عزيزًا، وحلمًا طال انتظاره، وعلاقة ظننا أنها ستدوم أو جزءًا من طمأنينتنا التي اعتدناها. وفي كل مرة يزورنا يترك خلفه فراغًا لا يملؤه شيء بسهولة.
ليس وحده ما يثقل القلب؛ فالحياة مليئة بالصدمات والخذلان والظروف القاسية التي تأتي أحيانًا بلا مقدمات. قد يخذلنا من وثقنا بهم، وتضيق بنا السبل، ولربما نقف أمام ابتلاءات تفوق قدرتنا على الفهم. وفي تلك اللحظات نشعر وكأن الدنيا كلها اجتمعت علينا، وأن الطريق أصبح أكثر وعورة مما يحتمل.
لكن الحقيقة التي تؤكدها الأيام أن الإنسان أقوى مما يظن. فما دام القلب ينبض بالأمل، والروح قادرة على النهوض، فإن العثرات مهما عظمت لا تستطيع أن تهزم صاحبها. قد تؤلمه، وتؤخره،وتترك فيه ندوبًا لا تُنسى، لكنها لن تكسره ما لم يسمح لها بذلك.
إن الظروف التي لا تكسر الإنسان تصنع منه شخصًا أكثر نضجًا وصلابة. فكل تجربة مؤلمة تحمل في طياتها درسًا، وكل محنة تترك خلفها حكمة، والسقوط يعلمنا كيف ننهض بثبات أكبر. لو سارت الحياة كما نشتهي دائمًا، لما عرفنا قوتنا الحقيقية، ولا اكتشفنا قدرتنا على الصبر والتحمل.
ومع كل ما يمر به الإنسان من تقلبات، يكون السند الأعظم هو الله سبحانه وتعالى. فحين تضيق الأرض بما رحبت، يبقى باب الله مفتوحًا لا يُغلق، وحين تتخلى الأسباب عن صاحبها، فالتوكل على الله أعظم الأسباب. ومن جعل ثقته بالله أكبر من مخاوفه، ويقينه برحمته أعظم من أحزانه، وجد في قلبه سكينة لا تمنحها الدنيا كلها.
لا نستطيع منع الفقد، ولا تغيير الأقدار، لكننا نواجهها بإيمان وصبر وقوة. فالحياة لا تقاس بعدد ما نفقده، بل بقدرتنا على الاستمرار رغم كل شيء، والتمسك بالنور وسط العتمة، والإيمان بأن بعد كل عسر يسرًا، وأن الله لا يضيع قلبًا أحسن الظن به.
وفي النهاية، ليس الانتصار الحقيقي أن نعيش بلا ألم، بل نخرج من الألم أقوى، وأكثر قربًا من الله، ويقينًا بأن ما كُتب لنا سيأتينا، وما فاتنا لم يكن لنا، وأن كل ما مررنا به كان جزءًا من رحلة تصنع منا النسخة الأفضل من أنفسنا.