السجين بين ثنائية الحرية والهوية .. قراءة في رواية السجين ( 4072)

بقلم / ريما آل كلزلي  

تحويل الإنسان إلى رقم، مجرد رقم هو فعل يمحو هويته، يغيبه عن ذاته، ويغرقه في دوامة العدمية. في فضاء الأدب، تعد هذه الفكرة محوراً فلسفياً يتقاطع مع أسئلة الوجود والحرية. من خلال روايته السجين (4072) يدخل حمود الصهيبي في غمار تأملات حول الهوية، الغربة داخل الذات، والحرية المسلوبة. في عمل أدبي زاخر بالرمز والدلالة، ومتخم بأسئلة الوعي المبكر. ذلك الوعي الذي يمتزج بالرغبة في الفهم، ويغير جذرياً نظرة الفرد لعالمه وذاته.
ينطلق النص من إدراك قاسٍ يحيل بطل الرواية إلى مرحلة مؤلمة من الوجود، حيث اكتشف وجوده مبكراً بين صفحات الكتب، يقول الكاتب في إشارة للكتب التي فتحت أمامه أبواب الوعي المبكر: “الكتب التي خربت حياتي” (ص:10) جملة مكثفة تلخص حيرة البطل، ورفضه الضمني لذلك الوعي الثقيل الذي غير سياق حياته بالكامل. ويمضي النص ليكشف عن سؤال عميق يتردد بين ثناياه، كيف يمكن للمعرفة، رغم كونها نواة الحرية، أن تكون في الوقت ذاته عبئاً يهدد صاحبه؟
تأتي الكتابة في هذه الرواية كفعل مقاومة. من خلال” المخطوطة” هي شهادته على نفسه، وعلى العالم الذي عبره ذات يوم. فقدّم الكاتب والشاعر حمود الصهيبي رواية السجين (4072) رواية تلتبس فيها الرموز، وتشتد حدّة الدلالات في عمل أدبي يتسم بأسلوب سردي مزدوج يتمثل في تناوب بين سرد واقعي، وآخر تاريخي مُتخيّل. فيسرد الراوي تجربة شاب لم يذكر اسمه إلا حروفاً رمزية (ح. ر.س) أو هكذا فهمت من الاهداء، واجه ثلاثين عاماً من عمره داخل أقبية السجن، نكتشف ما لم يرد في النص. من خلال صور مخبّأة تحت كلمات قاسية مريرة لا تشبهه، ولكنه استطاع من التغلب عليها عبر القراءة والكتابة. فأخذنا السارد إلى وقائع مهملة من رحلة طعت صورها في ذاكرة الصبي الفتي فعلقت بحياته إلى الأبد، حتى شكلت ملامح وعيه، وقرأناها في رحلة تجمع بين وصف التجربة الواقعية للسجن والانعزال، وبين استكشافات أعمق تتجلى في” مخطوطة الرجل الطيب” التي كتبها السجين الغامض فأصبحت عنصراً جوهرياً في البناء الروائي. توضح الرواية كيف أن السجن لا يعني فقط القيد الفردي، بل ممكن أن يكون الإنسان عالقاً في بنية المجتمع نفسه.
تعددت الرؤى في النص بين رؤية اجتماعية توثق تحولات المجتمع السعودي، من بداوة متنقلة وهجرة مستمرة بحثاً عن الموارد، إلى تشكيل بلد قائم على استقرار اقتصادي واجتماعي في رؤية الموحّد الأوّل يعتمد على الموارد النفط والخدمات الحضارية.
ورؤية وجودية تبين أن الراوي رغم وجوده في السجن وكأنه كان أكثر حرية من الأفراد خارج السجن. يتوضح الطرح الوجودي في تساؤلات السجين عن العدالة والخطيئة. عندما يحوّل الكاتب، بطله (السجين) إلى مجرد رقم، هو بالضرورة لا يريد أن يعبر عن معاناة الجسد في السجن، برغم صعوبة التأقلم مع حجز الحرية والإرادة، ولكنه حتماً يقصد بذلك التحرر من سلطة الجسد إلى سلطة أعلى وهي سلطة الفكر، التي تشكّل أصعب أنواع السجون، والوعي الذي ميزه عن الجميع في مجتمع يصفه بأن “الجميع يعيشون فيه فقط للطعام والشراب” (ص: 10) وعندما يهيمن الاغتراب على الإنسان، يشعر بأنه لم يكن في الأصل يشبه عائلته ومجتمعه، فقد سبق وعيهم بخطوات.
حاول الكاتب أن يقدم لقارئه شهادته هو أيضاً، ومنها:
– السجن يحول الفرد إلى كيان مجرد، يفقد فيه أول وأبسط مظاهر إنسانيته، وهو اسمه. فيحق له أن يطرح سؤال: “ماهي الخطيئة ومن هو المخوّل بإنزال العقاب بالناس” (ص 12)

– الاغتراب النفسي الذي يلازم شعور حاد بالعزلة، لكنه يعيد اكتشاف ذاته عبر القراءة والكتابة، فتتحول الكتابة من فعل إبداعي إلى آلية مقاومة وإعادة بناء الذات ويصفها بقوله: “الدخول إلى الحرّية” (ص 26).

– الكتابة كاستراتيجية نفسية للتحرر، يعالج الراوي جراحه الناتجة عن تجربة سجنه بتأليف مخطوط يمزج فيه بين الحقيقة والتاريخ الشخصي والاجتماعي. وعبر هذه المخطوطة يتحقق من سرد سعي أولئك الرجال إلى الكمال أو ما يشبهه. وإعادة قراءة التاريخ الذي يزخر بالجماليات ويجد حرية متخيلة تضاهي الحرية الجسدية المفقودة “معاني الحرية وارتباطها بالحياة”. (ص39).

– التفاعل مع الزمن الذي يأخذ أبعاداً خطيرة، فالزمن هو البطل الخفي في الرواية. ينقسم إلى زمن واقعي داخل السجن، حيث يمضي السارد 30 عاماً. والزمن التاريخي في المخطوطة الذي يسرد حقباً مختلفة تمتد أكثر من قرن.

– استخدام الأرقام كرمز لمحو الهوية، والرقم 4072 لم يكن عشوائياً، إنه تعبير عن تشيئ الفرد داخل المنظومة العقابية، استبدال الأسماء محل المسجونين بهوية رقمية مبرمجة. وهذا الإلغاء الرمزي يدل على آلية السلطة في كبح الفرد عبر القضاء على فردانيته، وهو ما يضع القارئ أمام رؤية وجودية عن معنى الحرية والانتماء.

في سرد آسر ولغة واضحة، تنضح بالشجن والعمق الفلسفي، يحاول السارد التعبير عن معاناته بلغة شعرية في بعض الأحيان، بينما يحتفظ بأسلوب تقريري واقعي في أحيان أخرى. جاءت المخطوطة المعنونة بـ (بمخطوطة الرجل الطيب) كرمز للاستمرارية الثقافية توازن بين الذاتية والموضوعية، فيما امتازت بعض النصوص في المخطوط بإحساس كلاسيكي يعكس أصالة التراث والتأريخ الشعبي، وكانت بمثابة العمود الفقري للرواية فلا شيء فيها مفتعل مما جعل لها دوراً مزدوجاً:
• أولاً: كإشارة وثيقة تربط الكاتب بتاريخ بيئته وثقافته، وتسلط الضوء على موضوعات توطين البادية تحت رؤية الموحد المباركة، والهوية السعودية، وإنشاء الهجر وتاريخ الأماكن الزماني.
• ثانياً: المخطوطة محاولة السجين لمقاومة الاندثار، فيقدم تاريخه الخاص كقصة موازية لواقع السجن، والكتابة كحبل نجاة داخل الزمن المغلق للسجن.
لمخطوطة الرجل الطيب دور مهم في تقديم التاريخ كنافذة تاريخية تمتزج بفلسفة السارد الشخصية، فهي تحمل ماضيًا يتفاعل عضوياً مع حاضر الراوي، قادر على أن يخلق توازن بين الحقائق التاريخية والعاطفية التي تسيطر على السجين، فقد أبرزت:
1- الهجرات الأولى وتأسيس القرى انتقالاً من حياة البادية وهي رمز اجتماعي يعيد تشكيل صورة الوطن من الشتات إلى الدولة، على سبيل المثال، في “النزول من اليمامة إلى ثيتل والنباح ثم الأرطاوية” توثق الرواية محطات التوطين الأولى.
2- الكوارث ومراحل الانهيار: منها سنة الجوع 1953م، والمجاعة الكبرى1909 م، فصلان مهمان تمثل فيهما المجاعة تهديداً وجودياً للسكان، أدى إلى تغييرات طبوغرافية ناتجة عن نزوح السكان وهجرتهم.
3- الإشارة إلى الاحتلال الغاشم_ العراق والكويت التي تنقل القارئ إلى مرحلة فارقة في التاريخ الحديث، وتوثق لحظات معاناة الأفراد الذين يعيشون على الحدود، مثل القرية التي افتتح فيها والد السارد بيته للنازحين.
4- الثورة الفكرية والصراع الداخلي: في فصل ” الفكر التكفيري وثورة جهيمان” يتم تناول الأحداث التي تأثرت بها بنية المجتمع السعودي في العقود الأخيرة، والتحولات الدينية التي أدت إلى زعزعة استقراره.
5- تشير الرواية إلى الأثر الذي أحدثته خط “التابلاين” في تحويل القرى من مراكز صغيرة إلى مراكز حيوية على الخريطة التجارية. وإشارة إلى عنصر يعكس بداية تكامل المجتمع السعودي مع السوق العالمية نتيجة ظهور النفط كمورد استراتيجي.
6- قهوة المطنوخ وحياة المجالس، تعد هذه الفصول وثيقة ثقافية عن ملامح الحياة اليومية، حيث توثق القهوة والجلسة بوصفهما رمزاً لـ ” الهوية الثقافية السعودية”.
تعتبر رواية ” السجين” سجلاً روائياً مستنيراً يعكس صورة المجتمع السعودي في مراحله الانتقالية. من الجدب إلى الاستقرار، ومن حياة القبيلة البسيطة إلى التعقيد الاجتماعي الحديث. كما يعتبر التاريخ في المخطوط شريك الرواية، ليس مجرد خلفية.
ثمة عشرات الأسئلة الحائرة تدور في أقبية الذاكرة، تلك الأسئلة التي ختم الرواية بما يمكن اعتباره سيمياء الوجود المفقود، ليس أولها أن السجين يعيد في داخله بناء “هجرته الداخلية”، كما فعل أجداده الذين تركوا حياة البداوة بحثًا عن الاستقرار في الحضر. فيتساءل الروائي عن معنى الحرية، وعما إذا كان الخروج من السجن هو التحرر الحقيقي.
في الختام، رواية “السجين (4072)” هي نص معذّب بالوعي والبحث عن إجابات للحياة والحرية. لعل أبرز ما يميز هذه الرواية كونها وثيقة أدبية شاهقة تعبر عن تداخل الإنسان مع سجنه، وحربه المستمرة من أجل البقاء كياناً حرّاً، بعيد عن كابوس الأرقام والقيود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى