حين نتعلم فن العبور

ليست كل مراحل النضج إضافة؛ بعضها تخلٍّ. أن نتخلى عن حاجتنا إلى تفسير كل شيء، وعن رغبتنا في الرد على كل موقف، وعن محاولاتنا المستمرة للاحتفاظ بما اختار الرحيل.
ومع الوقت نتعلم فنًا آخر للحياة: فن العبور.
أن نعبر ما يؤلمنا دون أن ننكر ألمه، وما ينتهي دون أن نبقى عالقين عند نهايته، وأن نرحب بالقادم دون أن نحمّله أحلامنا كلها، ونلوّح للراحل دون أن نحمل ظله معنا إلى بقية الطريق.
تأتي مرحلة في حياة الإنسان لا تتغير فيها الأحداث من حوله بقدر ما تتغير نظرته إليها. فالأشخاص قد يكونون الأشخاص أنفسهم، والمواقف قد تتكرر، والحياة لا تصبح فجأة أكثر سهولة، لكن شيئًا في الداخل ينضج؛ فنكف عن منح كل موقف أكبر من حجمه، ونتوقف عن استنزاف أنفسنا في أمور اكتشفنا أنها لم تكن تستحق كل ذلك العناء.
وقد أشار الفيلسوف إبكتيتوس إلى معنى عميق حين رأى أن ما يزعج الإنسان ليس الأشياء في ذاتها، بل الأحكام التي يكونها عنها.
فكم من موقف حملناه في أذهاننا حتى أصبح أثقل من حقيقته، وكم من كلمة أعدناها في ذاكرتنا حتى منحتنا من الألم أكثر مما تستحق، وكم من غياب بحثنا طويلًا عن تفسير له، مع أن بعض الأشياء لا تحتاج إلى مزيد من الفهم بقدر ما تحتاج إلى أن نتركها تمضي.
فن العبور لا يعني اللامبالاة، ولا أن نصبح أقل إحساسًا أو نتعامل مع الخسارات ببرود؛ بل أن نعرف كيف نشعر دون أن نغرق، وكيف نحزن دون أن نسكن الحزن، وكيف نفتقد دون أن نعود إلى ما عرفنا أنه لم يعد يناسبنا.
أن نعبر يعني أن نحترم مشاعرنا دون أن نسلّم لها قيادة حياتنا.
ومع النضج ندرك أن ليس كل ما يحدث يستحق ردّة فعل. ليست كل كلمة بحاجة إلى جواب، ولا كل خلاف يحتاج إلى مواجهة، ولا كل إساءة تستحق معركة، ولا كل راحل يحتاج إلى أن نلاحقه بسؤال: لماذا؟
فبعض الإجابات لا تغير شيئًا، وبعض المواجهات لا تعيد حقًا، وبعض الأبواب كلما حاولنا فتحها أعدنا لأنفسنا الألم ذاته.
وهنا نتعلم أحد أصعب دروس العبور: أن عدم الرد قد يكون قرارًا، والتجاوز قد يكون قوة، والصمت أحيانًا ليس عجزًا، بل معرفة بأن سلامنا الداخلي أثمن من أن نضعه في يد كل موقف عابر.
وقد كتب ماركوس أوريليوس في «التأملات» بمعنى قريب أن أثر الأشياء الخارجية فينا يرتبط بالحكم الذي نصدره عليها. وفي ذلك تذكير بأن جزءًا من قدرتنا على العبور يبدأ من الطريقة التي نرى بها ما حدث، لا من قدرتنا على تغيير ما حدث.
ومع هذه النظرة تتغير علاقتنا بالقادم والراحل معًا.
نرحب بالقادم، لكننا لا نستبق الأيام فنمنحه مكانة لم يصنعها بعد، ولا نعلّق عليه سعادتنا، ولا نبني في خيالنا مستقبلًا كاملًا قبل أن تكشف لنا الحياة حقيقته.
وفي المقابل، نتعلم أن نلوّح للراحل؛ لا لأن وجوده لم يكن مهمًا، ولا لأن رحيله لم يؤلم، بل لأننا أدركنا أن بعض الأشياء تنتهي مهما أحببنا استمرارها، وأن احترام النهاية جزء من احترام أنفسنا.
فليس كل رحيل هزيمة، وليس كل فقد نهاية، وليس كل باب أُغلق كان ينبغي أن يبقى مفتوحًا.
أحيانًا تمنحنا المسافة رؤية لم نكن نملكها ونحن في قلب الحدث، وما قاومنا نهايته يومًا قد نكتشف لاحقًا أن نهايته كانت بداية عودتنا إلى أنفسنا.
ولعل أجمل ما يحدث حين نتعلم العبور أن تتغير أسئلتنا.
بدلًا من أن نسأل دائمًا: لماذا حدث هذا؟
نسأل: ماذا تعلمت منه؟
وبدلًا من أن ننشغل بمن غادر، نلتفت إلى من بقي، وبدلًا من أن نستنزف أعمارنا في محاولة استعادة ما انتهى، نمنح أنفسنا فرصة لرؤية ما يمكن أن يبدأ.
فالإنسان لا يستطيع أن يمضي وهو يحمل كل شيء معه. هناك ذكريات ينبغي أن تبقى ذكريات، وأشخاص انتهى دورهم عند محطة معينة، ومواقف أدت رسالتها، وأبواب كان إغلاقها ضرورة وإن لم نفهم ذلك في حينه.
والعبور الحقيقي لا يكون حين ننسى، بل حين نتذكر دون أن نتألم بالطريقة نفسها؛ حين نمر بالمكان فلا يعيدنا إلى الوراء، ونسمع الاسم فلا يربك سلامنا، ونستعيد الموقف فلا نشعر بحاجة إلى تغيير نهايته.
عندها ندرك أننا عبرنا فعلًا.
وربما يكون النضج في أحد معانيه أن تصبح ردود أفعالنا أقل، لا لأن مشاعرنا ماتت، بل لأن وعينا أصبح أكبر.
نعرف ما يستحق أن نتوقف عنده، وما ينبغي أن نتركه حيث حدث. نعرف متى نتمسك، ومتى نترك، ومتى نتحدث، ومتى يكون المضي أكثر حكمة من البقاء.
فالحياة ليست فقط فيما نصل إليه، بل أيضًا فيما نعرف كيف نعبره.
والسلام ليس أن تخلو طرقنا من الخسارات والخيبات والنهايات، بل أن نتعلم المرور خلالها دون أن نفقد أنفسنا في الطريق.
همسة أمل
سيأتي يوم تدرك فيه أن بعض ما أثقل قلبك طويلًا لم يكن يحتاج منك كل ذلك البقاء؛ كان يحتاج فقط أن تعترف بأنه حدث، وأن تقبل بأنه انتهى، وأن تمنح نفسك الإذن بالعبور.
رحّب بالقادم دون أن تستبق حكايته، ولوّح للراحل دون أن تحمل ظله معك.
فليس كل ما مرّ بنا خُلق ليبقى؛ بعض الأشياء جاءت لتعلمنا كيف نمضي.
وحين نتعلم فن العبور، لا تصبح الحياة أقل ألمًا بالضرورة، لكننا نصبح أكثر حكمة في اختيار ما يستحق أن يبقى فينا ..