حين ينكسر العُمر في لوحة

بقلم / بشرى محمد الحويطات  

تقفُ النفسُ أحيانًا أمام لحظةٍ خاطفة تختزلُ العمرَ كله في مشهد، وتستحضرُ الماضي بعنفوانه وحسرته، وفي هدوء صالة العرض المكتظّة بضحكات الزوّار والمارّة، لم يكن الشاعر فهد الشهراني سوى غريبٍ داهمه العشق القديم فجأة من خلف زجاج لوحة تشكيلية، خطفت قلبه وأخبرته بسرها:
الله يا كم بكت عيني على صورة في معرض الرسم صدفة واشخصت عيني
وقفّت وعيوني الثنتين مبهورة كاني لمحتك من ورى البرواز تدعيني؟
شرارةٌ واحدة من وراء زجاجٍ صامت كافية لإشعال لهيبٍ لم يندفن يومًا، حيث تتلاشى الوجوه الضاحكة من حوله، ليبقى الشاعر وحيدًا يُصلي قلبه بنار مصادفةٍ أحيت ما ظنّه انطفأ، وجعلته يوقن وحدته:
حزين من حولي الزّوار مسرورة سافرت من آخري لين أول سنيني
حاولت اكذّب عيوني وانهي الثورة اللي انقلتها عيوني في شرايني
وازريت لا اكذب المأخوذ وشعورة يالصورة اللي تبعدني وتدنيني
إنها لوعة المغترب في وطنه، يحاول لملمة شتات عقله وتكذيب عينيه كمن يُطفئ حريقًا بيده، لكنّ القلب المستلب يعزف على وتر الألم، لتصبح اللوحة مرآةً ساحرةً تُدنيه من طيفها محترقًا، وتقصيه في الواقع الذي حرمه قربها، إلا أن الصورة جعلته يقترب ليكتشف أن للصورة في أركان روحه حيّز يشع في تفاصيلها:
قرّبت نفس الزوايا نفس ديكوره هذي ملامح حكاية بينك وبيني
نفس البيوت القديمة واجمل قصوره نفس الشبابيك يوم اقولك ويني ؟
تأخذه أقدامه المتثاقلة ليذوب في أبعاد اللوحة، حيث تتوهج الذكريات في الزوايا العتيقة، ويتنفس الوجدُ من الشبابيك الدافئة التي شهدت أولى أنفاس العشق ولوعة التساؤل المعتاد، ليبدأ خطابه معها:
قمتي رسمتي طفل بيديه عصفورة سقتي السحاب بيدينك قلتي اسقيني
واسقيتك العذب والغدران ممطورة ورسمتي حريتك من كف يديني
يتدفق المشهد في عروقه حنونًا وعذبًا؛ يتدفق طفلًا بيده عصفورة البراءة، وسحابًا استسقته ففاض بين يديها حنانًا وغرامًا، ورسمت حريتها التي لم تحلو لها إلا وهي مولودةٌ من أسر كفيه:
رسمتي اوراق مبلولة ومنثورة معقولة هذي قصايد من دواويني
ليه ترسمين القصايد شبة مقبورة؟ اذا على ريشتك ما عاد تعنيني
ولأن اللهب لا يخلو من دخان الحيرة، تقوده ريشتها إلى أوراقٍ مبللة بالدمع، فيتساءل الشاعر في دهشةٍ كُسرت فيها أنفته: أهكذا باتت كلماتي لديكِ؟ أطُوِيَت قصائدي وشواهد حبي كأنها مقبرة صامتة؟ يعود لها علّه يفهم، ويكسر الشك بفأس اليقين، فيذكرها، بما كان بالأمس، قائلًا:
وانتِ ضحكتي قلتي : الريح مقهورة غارت من بيوتك الي قلتها فيني
ولا قصايدك محفوظه ومحفورة في داخل القلب تنعشني وتحيني
ولأن عذوبة الشوق تطغى على العتاب، يتردد في مسمعه صدى ضحكتها الرقيقة التي طالما طبّبت جراحه، حين أطفأت ظنونه بدلالها المحبب، مؤكدةً أن الريح ذاتها ثارت غيرتها من أبياته، وأن حروفه شريانٌ حيٌّ ينبض في صدرها، فتطمئن قلبه قائلة:
اسمع قصايدك مسحوبة ومجرورة من فكرك الخصب اخراجي وتلحيني
يارب اشوفك كذا شاعر وجمهوره تملا المسارح وساحات المياديني
تسري نبوءة إيمانها به كسحرٍ يبعث الطمأنينة؛ كانت تراه المبدع الذي يستمد ألحانه من روحها، وتلهج أمانيها بالدعاء كي تراه يملأ الدنيا شجوًا وشعرًا وتتردد أصداؤه في الآفاق، فهذا أصدق الحب أن ترغب بروية من تحب في أعلى المراتب، ليكن هو الكريم الذي يخبرها بما يرى فيها، قائلًا:
وانا اتوقع يا رسامة يا اسطورة لوحاتك البكر تاصل بالملايني
كفرت بالشك يا درة وبلورة وأمنت بالحب وانك ماتخليني
وفي أوج ذلك التماهي العاطفي الصافي، يرفعها بقلبه الخافق إلى مرتبة الأسطورة، ويقسم بلغة اليقين التي لا تقبل الشك أنها درّته المصونة التي لن تتركه لعوادي الزمان، لكن الأقدار أعتى من أوهام المحبين، لينكسر زجاج الحلم بحجر الواقع الأليم:
كبرت واثر الزمان يدور له دورة وكبر معاي الحنين الي مخاويني
مجبور وانتِ يا بنت الناس مجبورة على عبايتك بامر الشرع والديني
يدور الزمان دورته القاسية، ليتوارى الأمل تحت وطأة الواقع والتقاليد والواجبات؛ كبُرا وكبُر الحنين المخاوي لروحه، ويقفان في مهب القيود كقلبين أُجبرا على الفراق واستتار المشاعر تحت عباءة القدر والستر.
من قبل سترة سواد اللبس مستورة من هرج عذّال ناس ما تدانيني
غطا الزمان اللقى بالصوت والصورة لكن عن القلب يبطي ما يغطيني
وعلى الرغم من جدار السواد القاسي وحجب الزمان للملامح المباشرة حتى غدا الوصل أطيافًا بعيدة، تظل في أعماقه نقاءً طاهرًا يعجز الدهرُ بكل قسوته أن يغيّب شمسه عن شغاف قلبه، ورغم ما مضى يقول:
امر بيتك اقبّل بابه وسورة واتعجب انك سكنتيه وسكنتيني
عفوا ثلاثة بيوت لكم معموره بيت سكنتيه وفي قلبي وفي عيني
وينكفئ الشاعر على أطلالها يبكيها بلوعة حنينه، يقبل جدران بيتها ويتعجب من رقتها التي احتوت جدرانه واحتوته، ليستدرك ببيانٍ يقطر وجدًا: إن لها في وجوده ثلاثة بيوتٍ لا تطمسها السنون.
واحد ظفربك ولوحاتك على صدوره ويقول من البرد لوحاتك تدفيني
واثنين معمورة بذكرك ومهجورة من غيرك الي عجز لا يلمس يديني
وهنا يحترق النص بجمرة الحرمان؛ بيتٌ واقعي فاز به غيره يتدفأ بوجودها ولوحاتها، وبيتان آخران هما العين والقلب، معموران بطيفها الدائم لكنهما مهجوران من أي بشرٍ سواها، إذ عجز الجميع عن لمس روحه بعدها، ليتوجد قائلًا:
وا شعري اللي رماني الحظ في زوره ولولاك من كان في الدنيا يسليني
كاتبك ظاميك تكفى بل حنجوره لا شح وصل الزمان ارجوك ترويني
وعندما تضيق به سبل الوصل، ينكفئ على ملاذه الأخير، مستصرخًا قصيدته كأنها كائنٌ حنون، يرتجي منها أن تبل حنجرته المجهدة وتكون سلوة قلبه الظامئ في زمن القحط والغياب.
راحت لغيري وانا واقف على دورة قدام عيني وانا ماعاد يمديني
يا بنت منتي من العشاق معذورة ليتك تركتيلي اللوحة تعزيني
تنداح الذكرى الأليمة كطعنةٍ في الصدر؛ مشهد رحيلها مع غيره وأمام عينيه دون أن يملك يمينًا للردع أو قدرةً على التغيير، فيعاتبها بشرارة العشاق متمنيًا لو بقيت له اللوحة كعزاءٍ يداوي هذا اليتم العاطفي.
لكن رحلتي ومعذورة ومشكورة وانا رسمت النهاية من تلاويني
وأنتِ كبرتي وصرتي حيل مشهورة شوفي معارضك في لندن وبرليني
ثم يستكين اللهب إلى رماد الرضا والنبل؛ فيلتمس لها الأعذار ويكسيها بالثناء، معترفًا بدموع مكتومة أنه من أخطأ رسم النهايات، ومبتهجًا بانكسار وشجن لأن أحلامهما الشابة غدت حقيقةً تجوب لندن وبرلين.
فجأة انا ما دريت إلا من الصورة في معرضك والحكاية بينك وبيني
شوفي اثر لوحتك بالدمع ممطورة اخر اثر لي على اللوحة يكفيني
تكتمل الدائرة بعودة الشاعر إلى صالة العرض الحاضرة؛ ليمسح زجاج اللوحة بدمعةٍ ساخنة، مؤكدًا لها أن هطل دمه ودمعه على البرواز هو بصمته الأخيرة ووسام وفائه الخالد.
صحيت واخر بيالة شاي مكسورة من صوت ناس بعالي الصوت تدعيني
يا ليتني طعت ابو خالد على شوره ماكان جيت فطريق لك يوديني
وفي المشهد السينمائي الأخير، يصدمه الواقع بصوت انكسار “بيالة” الشاي ونداءات الناس، يستفيق من غيبوبة الوجد على مرارة الحسرة، متمنيًا لو سمع النصيحة وتجنب الطريق الذي فتح عليه هذا العذاب التليد.
وهكذا تنغلق الستارة على صدى انكسارٍ لم يقع على الأرض وحده، بل ترقرق في تجاويف الروح؛ لتبقى اللوحة غارقةً في دمعه، والشاعر مصلوبًا بين ذكراها وعالمه المفقود، إنها ليست مجرد أبياتٍ صيغت من كلمات، بل هي زفرةٌ متجسدة من نسيج الخيبة والهوى، حيكت بريشة عاشقةٍ وقافيةِ عاشق، لتبرهن أن الأجساد وإن باعدت بينها يدُ القدر، فإن الأرواح تظلُّ معلقةً بين ألوان اللوحات وظلال الأبيات، تسكن الحصاد الدافئ بكل حنين، وتصحو مع كل جرحٍ متجدد عند أول انكسارٍ للزجاج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى