معضلة النفس البشرية

بقلم: سالي محمد  

تلك النفس البشرية… يا لها من معضلة!
متشعبة بطرق محيّرة، وأحياناً تكون مرعبة؛ تخفي في أعماقها ما لا تقوله، وتُظهر أحياناً ما لا تشعر به.
عجيب أمر الإنسان! قد يعرف تماماً ما يؤذيه، ثم يظل واقفاً على عتبتها، وكأنه يرجوها أن تتغير، أو يأمل منها ما لا تستطيع منحه. وفي المقابل، قد يهرب من شيء ظل يبحث عنه طويلاً، ويتشبث بآخر يعرف في قرارة نفسه أنه انتهى بلا رجعة.
ربما لأنه يرغب دوماً فيما لا يستطيع إليه سبيلاً، تدفعه تلك النزعة الغريبة إلى امتلاك الصعب. لكن سرعان ما يحل الفتور؛ فمن يملك غالباً ما يهمل، وكأن قيمة الأشياء تتلاشى لحظة بلوغها.
من عجائب النفس أنها لا تسير دوماً وفق المنطق. ففي داخل كل إنسان حوار متشابك الأطراف: صوت يريد، وآخر يرفض، وثالث يتظاهر بأنه لا يريد شيئاً على الإطلاق. نُقنع أنفسنا أحياناً بأننا تجاوزنا الماضي، ولكنّ موقفاً عابراً، أو أغنية، أو رائحة، أو مكاناً، أو حتى كلمة، كفيل بأن يكشف أن ما ظنناه رماداً لم يكن سوى جمرة مندسّة في خلايا الحس، تنتظر نفخة واحدة لتشتعل من جديد.
ولعل أكثر ما يربك النفس أنها لا تبحث دائماً عما يُسعدها، بل قد تبحث عما اعتادته. فالاعتياد منطقة آمنة، وإن لم تتوافر فيها الراحة؛ فالخوف من المجهول يكسر مجاديف المغامرة لدى البعض، بينما يحفزها لدى البعض الآخر. ومع الوقت، يبقى الاعتياد سيد الموقف. حتى الألم، حين يطول بنا العهد به، قد يتحول إلى مألوف، فنخاف من الشفاء أكثر مما نخاف من الوجع؛ لأن الشفاء يعني أن نترك خلفنا تفاصيل اعتدنا أن نعرف أنفسنا من خلالها.
كم من إنسان ظل يطرق الباب ذاته، وهو يعرف أن خلفه لن يجد ما يريد، فقط لأنه لا يعرف كيف يمضي بعيداً؟ وكم من شخص بدا قوياً إلى حد القسوة، بينما كان في داخله طفل صغير يرجو فقط أن يُفهم دون أن يضطر إلى الشرح؟
لعل هذا هو السبب الذي يدفعنا إلى ألا نحكم على الناس من ظاهر أفعالهم؛ فخلف كل فعل حكاية، وخلف كل صمت حوار مبتور، وخلف كل قسوة خوف، وخلف بعض الرحيل محاولات كثيرة للبقاء لم يلحظها أحد.
النفس البشرية ليست مستقيمة الطرق؛ هي أشبه بمدينة قديمة طُمست عن عمد إرشاداتها واتجاهاتها. تتفرع شوارعها وتتشعب كشعب فكرية حادة، تخفي خلف كل منعطف فكرة، وخلف كل غرفة ذكرى، وخلف بعض الذكريات نسخة منا لم نعد نعرف كيف نصل إليها، أو بالأحرى، كيف نصل إلى أنفسنا.
ولعل أصعب رحلة يخوضها الإنسان ليست رحلته في العالم، بل رحلته إلى ذاته. أن يجلس معها دون ضجيج، وأن ينظر إلى ما يخشاه، وإلى ما يريده حقاً، وإلى الأشياء التي فعلها لا لأنه أرادها بالفعل، أو لأنه تعايش معها مجبراً، بل خوفاً من أن يخسر.
علينا أن نسأل أنفسنا بصدق:
هل أنا حزين لأنني فقدتُ، أم لأنني لم أكن كما تمنيتُ؟
هل أشتاق إلى الشخص، أم إلى النسخة التي كنتُها بقربه؟
هل أريد العودة، أم أريد فقط أن أتأكد أنني كنت مهماً في يوم ما؟
أسئلة كهذه قد تكون أكثر رعباً من الإجابات ذاتها، لأننا حين نصل إلى الحقيقة، لا يعود بإمكاننا الاختباء خلف الأعذار. وهنا تكمن معضلة النفس البشرية الأعمق: أنها تعرف الحقيقة أحياناً قبل أن نعترف بها، وتشعر بالنهاية قبل أن تقع، وتدرك الخذلان قبل أن تُصفع، لكنها تمنحنا وقتاً طويلاً لنكذب عليها، وتدّعي تصديقنا. حتى إذا انتهى كل شيء، تجلس في هدوء وتقول: «كنتُ أعلم».
ولعل النضج الحقيقي ليس أن نفهم الآخرين أكثر، بل أن نفهم أنفسنا دون أن نخدعها. أن نعرف متى نتمسك، ومتى نترك، ومتى نغفر، ومتى يكون الغفران لأنفسنا أولى.
فالنفس البشرية ليست معضلة لأنها غامضة فحسب، بل لأنها قادرة على أن تحمل المتناقضات كلها في قلب واحد: تحب وتغضب، تشتاق وتهرب، تسامح وتذكر، تتمنى الرحيل وتخافه، وتبحث عن الأمان في أكثر المناطق وعورة.
وربما لا نحتاج في النهاية إلى أن نفهم كل شيء. يكفي أن نتعلم الإصغاء إلى تلك النفس التي عاشت معنا كل شيء، وأن نكف عن معاقبتها لأنها لم تكن دائماً قوية، وأن نمنحها شيئاً من الرحمة التي طالما منحناها للآخرين.
فأحياناً… لا تكون النفس بحاجة إلى من ينقذها، بل إلى من يجلس بجوارها ويقول لها بهدوء:
«أعلم كم عانيتِ، لكنّي أتفهمك، ولن أتركك وحدك».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى