ثنائية الغدر والخيانة في رواية (هروب من لجوج) لعبد العزيز القحطاني

بقلم :أ.د. علي بن محمد الحمود  

صدرت رواية (هروب من لجوج) عام (2025م)، وكاتبها الدكتور عبد العزيز القحطاني طبيب الأسنان، وهذه التجربة تندرج ضمن تجارب الأطباء الروائيين في مشهدنا الثقافي المحلي، ونتاجهم استحق أن تكتب عنه رسالة دكتوراه، نوقشت مؤخراً في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
وهي رواية تاريخية متسعة الفضاء: المكاني والزماني، إذ جرت أحداثها في مجموعة من الدول العربية، وامتدت إلى أوربا والبرازيل، عبر رحلات بطل الرواية سومر، واللافت أن الكاتب ذكر الأسماء الحقيقية لبعض المدن التي انتقل إليها سومر، مثل: مصر والبرازيل، ولم يصرح بأسماء بعضها الآخر، خاصة ما يتصل بمكان النشأة، فأطلق عليها أسماء رمزية مثل قرية الخير. ولم يصرح الكاتب بفضاء الرواية الزمني، لكن نجد إشارات توضح زمن الأحداث، منها: مشاركة المطرب المصري (سيد درويش) (ت 1923م) في الأحداث، وهذه المشاركة أرشدتنا إلى زمنها. والمدة الزمنية لأحداث الرواية تجاوزت ثلاثة عقود.
والكاتب في عتبات روايته صرح بأن الشخصيات والأحداث خيالية، وهذا مفتاح مهم من مفاتيح قراءة الرواية، فيمكن الانطلاق في قراءتها من ثنائية: المرجعي والتخييلي فيها.
أما الثنائية الأبرز في الرواية فهي ثنائية الغدر والخيانة، والحضور الأكبر كان للغدر، إذ كان هو الغالب على تحريك أحداث الرواية، والغالب أيضاً على سمات معظم الشخصيات، مثل أعمام سومر، وهذا لا ينفي وجود شخصيات اتسمت بالوفاء، مثل شخصية زيدان خال سومر بطل الرواية. والجريمة حضرت في الروية في مواضع عدة، منها مقتل حياة؛ بسبب الطمع والجشع، وقتل سومر لعمه بالخطأ؛ بسبب الظلم والقهر الذي أصابه وأصاب إخوته من أعمامهم.
ألقت ثنائية الغدر والوفاء بظلالها على الأحداث، وكانت المحرك الرئيس لها، وكان الغدر أكثر حضوراً كما أشرت؛ لذا كان الرحيل هو خيار سومر بطل الرواية في مواجهة الأحداث.
وتبرز في الرواية تقنية التناص، ومن أبرز صورها التناص مع قصة يوسف (عليه السلام)، وفيها كيد إخوة يوسف به، والكاتب اختار اسم يوسف لوالد سومر بطل الرواية، وإخوة يوسف أعمام سومر الذين غدروا بأبناء أخيهم المتوفى، وباعوا بيتهم، وجعلوهم أشبه بالعمال عندهم، وأبرزت الرواية القسوة والغلظة التي تعاملوا بها مع أبناء أخيهم يوسف.
ومن مفاتيح قراءة الرواية المهمة، مع ربطها بثنائية الغدر والوفاء، عتبات الرواية، وبدءاً من العنوان الرئيس للرواية (هروب من لجوج)، ولجوج تعني الإصرار والعناد، فمن هو الهارب؟ قد يكون سومر بطل الرواية هو الهارب، حيث تنقل بين المدن والموانئ، والأفكار والمواقف هي من أجبره على رحلة الهروب.
ومن العتبات المهمة في الرواية لوحة الغلاف الخارجي، والإهداء، والملحوظة الخاصة بالتصريح بأن مصدر أحداث الرواية وشخصياتها الخيال، وعتبة التصدير الحاضرة في بداية الرواية، وفي بداية بعض الفصول، ومنها- أيضاً- أسماء أقسام الرواية الثمانية والأربعين، وهي وثيقة الصلة بمتن الرواية. ومن هنا يمكن تقديم مقاربة نقدية تعنى بالعتبات.
والرواية تمثل رحلة وراء المجهول، رحلة هروب، رحلة بحث عن فجوة، رحلة بحث عن حياة جديدة، وكانت الرحلة انتقالاً مكانياً، تتغير فيها أسماء الشخصيات، لكنها صور مكررة، لنماذج تحمل صفات الخير والشر، وتظل فكرة الرحلة في الرواية مجال قراءة مهم، فالحركة تمنح الإنسان التجدد والتطور.
وبعد، فرواية (هروب من لجوج) تكشف القناع عن فلسفة الشر والخير، وشعرت أثناء قراءتها في بعض الأوقات بالألم؛ بسبب كثافة حضور الغدر والخيانة والمكائد، وهذا الأمر يتماهى مع فكرة التطهير التي تعد وظيفة من وظائف الأدب.
أ.د. علي بن محمد الحمود
أستاذ النقد الأدبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى