أمل بازيد تكتب لـ”درة” | ماذا يختبئ في المنطقة الرمادية داخلنا؟

في داخلنا مساحة يصعب الاقتراب منها؛ نلمح أثرها في غصّة مفاجئة، أو ضيق توقظه كلمة عابرة، ثم نعجز عن تحديد ما يؤلمنا. نسأل أنفسنا: ما الذي أشعر به؟ فتتزاحم الإجابات دون أن تعبّر إحداها عنّا تمامًا. وفي هذه الحيرة تتشكّل المنطقة الرمادية، حيث تختلط مشاعر لم تتضح ملامحها بآثار تجارب مضت، وبقي شيء منها فينا.
نواصل أيامنا بما تتطلبه من عمل ومسؤوليات، ثم تأتي لحظة هادئة نشعر فيها بثقل لا نعرف مصدره. نأخذ نفسًا عميقًا، لكن الراحة تتأخر. نراجع أحداث يومنا، وقد لا نجد فيها ما يفسّر إحساسنا؛ فلعل ما أيقظته اللحظة أقدم منها، ولعل انشغالنا الطويل أبقاه بعيدًا عن انتباهنا.
وما يجعل هذه المساحة مربكة أن ما يسكنها قد يكون مزيجًا من مشاعر تبدو متعارضة. نحزن على إنسان ونغضب منه ونشتاق إليه، أو نغادر موقفًا مؤذيًا ونظل نتألم على ما تمنينا أن يكونه. نطمئن إلى قرار اتخذناه، ونحزن على ثمنه؛ فمعرفة ما يناسبنا لا تمحو أمنية قديمة، والحزن على ما فقدناه لا يعني أننا نريد استعادته.
لكننا نطالب أنفسنا بإجابات قاطعة، ونحسب كل حنين تراجعًا، وكل ألم دليلًا على أننا لم نتجاوز. فنضيف إلى ما نشعر به عبء الحكم عليه، كأن علينا أن نحسم موقفنا من التجربة حتى نسمح لأنفسنا بالتأثر بها.
وتحمل المنطقة الرمادية أيضًا أثر مواقف انشغلنا بمواجهتها عن استيعابها. تماسكنا لأن هناك ما يجب إنجازه، أو من يحتاج إلى مساندتنا. وربما خشينا أن يخذلنا صوتنا إن اقتربنا مما يؤلمنا، فمضينا بما استطعنا حشده من قوة. وحين هدأت الظروف، ظهر تعب لم تتسع له تلك الأيام، واستغربنا أن تثقلنا التجربة بعد انتهائها، دون أن نتأمل ما كلّفنا عبورها.
وقد يتصل الألم بمعنى خفيّ: جهد لم يُقدَّر، أو حاجة إلى الاهتمام مرّت دون استجابة، أو ثقة تبدّلت ملامحها. تبدو الواقعة صغيرة حين نرويها، لكن وقعها يتسع بما مسّته فينا. ربما نسينا الكلمات التي قيلت، وبقي إحساسنا بأننا لم نُفهم. ثم تأتي كلمة عابرة فتلامس ذلك الموضع، ونندهش من شدّة تأثرنا.
يحتاج فهم هذه المساحة إلى أسئلة نطرحها برفق: ما الذي آلمنا تحديدًا؟ ماذا كنا نحتاج يومها؟ قد نكتشف عتبًا خلف الغضب، أو خيبة في الغصّة، أو حنينًا إلى احتمال لم يتحقق. لا يزول الألم بمجرد تسميته، لكننا نصبح أقدر على معرفة ما نحتاج إليه، والتمييز بين ما يحدث الآن وما تستدعيه الذاكرة.
وقد يبقى بعض الغموض. ليس علينا أن نفسّر كل شعور حتى نعترف بتعبنا؛ يكفي أن نتوقف عن مطالبة أنفسنا بالقوة نفسها التي عبرنا بها الموقف، وأن نمنحها الآن ما افتقدته آنذاك من وقت واهتمام ورفق.
همسة أمل
حين تعجز عن تسمية ما تشعر به، لا تجعل حيرتك سببًا للقسوة على نفسك. يمكنك أن تقول: «لم أفهم هذا الشعور بعد»، وتمنحه حقّه من الإصغاء. لعلّ أول ما يحتاجه ذلك الجزء الغامض منك أن تطمئنه: لن أتجاهلك هذه المرّة.