بين حلقات ربيع القلوب وإجلال

بقلم: زهور كياري  

تتعاقب الآيات بين أصوات الحافظات؛ آيةٌ تسلّم إلى أخرى، وصوتٌ يأنس بصوت، حتى يأخذ كل قلب نصيبه من النور.
ثم تقف المعلمات لتدارس كتاب الله وتصحيح التلاوة، فيجتمع في مجلسهن هيبة العلم، ودفء الصحبة، وإجلال كلام الله؛ لتكون الآيات جسرًا يصل القلوب بنورها، ويمنح هذا اللقاء معنى يتجاوز اللحظة إلى أثرٍ يبقى في الصدور.

هذا مشهدٌ من مشاهد التعليم المختلفة، ولكن هل المعلم هو من يقف دائمًا أمام الصف؟ وهل التعليم محصورٌ خلف أسوار المدارس والجامعات؟
وإن لم يكن كذلك، فإلى أين يمتد أثر المعلم والتعليم؟

يأتي الإنسان إلى الدنيا ولا يعلم ماذا يعني العيش، ولا يعرف كيف يتعامل مع العالم من حوله، ثم يبدأ شيئًا فشيئًا في اكتشافه ومحاكاة من يعوله؛ أبًا كان أو أمًا أو من ينوب عنهما، فيتعلم منهم قبل أن يعرف أنه يتعلم، يحاكي أصواتهم وطريفة حديثهم وحركاتهم، ثم تتسع دائرة التعليم إلى أفراد الأسرة، فيتعلم من طريقة تعاملهم مع الأشياء ومع الناس.
ثم يكبر، وتتسع دوائر التعليم من حوله؛ فيدخل رياض الأطفال، ثم المدرسة، ويلتقي بالمعلمين، ويقرأ الكتب، ويخوض التجارب.

ولذلك، حين أتأمل المعلمين وهم يقفون لتعليم الطلبة والطلاب، أرى في دورهم معنى أوسع من نقل المعرفة؛ إنهم يسهمون في بناء الإنسان، ويفتحون لعقله أبوابًا تأخذه إلى آفاق المعرفة. يتعلم الطالب كيف يسأل، وكيف يبحث، وكيف يستكشف، وكيف يحوّل ما يتعلمه إلى فهمٍ وسلوك.

ثم تتسع دائرة التعلم أكثر، فيغادر الإنسان مقاعد الدراسة إلى مدرسة أخرى لا تنتهي فصولها، وإنما ينتقل فيها من فصل إلى آخر؛ إنها مدرسة الحياة.
ففي مدرسة الحياة، لا يتعلم الإنسان من الكتب وحدها، ولا من معلم يقف أمام الصف، بل يتعلم من تجاربه ومواقفه، ومن علاقاته بالآخرين، ومن نجاحاته وإخفاقاته.

فكل إنسان نلتقي به قد يكون معلمًا بطريقة ما.
هناك من يعاملنا بحب، فنتعلم منه كيف نحب، وهناك من يخذلنا، فنتعلم كيف نضع الحدود، وهناك من يمر بنا في موقف مؤلم، فنتعلم من خلاله كيف نفهم أنفسنا، وهناك من يؤمن بنا، فنتعلم معه كيف نثق بقدراتنا.
وهكذا تمضي بنا الحياة؛ معلمًا وراء معلم، ودرسًا وراء درس، حتى ندرك أن بعض الأشخاص لم يدخلوا حياتنا ليبقوا فيها، بل إن كلََا منا يمضي في طريقه، وقد حمل من الآخر أثرًا لا يُنسى.

وإذا كانت الحياة مليئة بالمعلمين، وكل لقاء يمكن أن يترك فينا درسًا، فماذا لو كان بين أيدينا معلمٌ لا يعلّمنا موقفًا واحدًا فحسب، ولا جانبًا واحدًا من الحياة، بل يعلّمنا كيف نحيا الحياة كلها؟ إنه أعظم من علّم البشرية؛ محمد ﷺ.
ففي سيرته ﷺ نجد التعليم وقد تجاوز حدود الكلمات إلى القدوة، وتجاوز نقل المعرفة إلى بناء الإنسان؛ علّم بالقول، والموقف، والرحمة، والصبر، والحكمة، وكان تعليمه ممتدًا إلى القلب والعقل والسلوك.

ومن هنا، لا يسعنا إلا أن نستحضر كل من حمل شيئًا من هذه الرسالة العظيمة وسار في درب التعليم والتربية، لنحتفي بهم في هذا اليوم؛ ابتداءً بالأبوين، أول معلمين في حياة الإنسان، ثم كل معلم ومعلمة يواصلون هذه الرسالة في المدارس ودور التحفيظ وحلقات القرآن، كما يتجلى في مشهد مجالس ربيع القلوب وإجلال، يمنحون من علمهم ووقتهم وصبرهم واهتمامهم.

فما أجمل أن يكون الإنسان معلّمًا، وما أعظم أن يكون ما يعلّمه نورًا يضيء الدرب وأثرًا يبقى في الصدور.

تعليق واحد

  1. ياالله حبيت المقال كلامك عن التحفيظ و معلماته رجعني لزمن جميل فيه كل حاجة حلوه و الحمدلله لسه ان شاء الله انها بخير وفي معلمات ملهمات دايم اذكرهم في دعواتي ❤️❤️ مبدعه كالعادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى