امل بازيد تكتب لـ “درة”| الرزق في أطراف العجاج

ليست كل الطرق التي تضيق بنا تقود إلى الضياع، ولا كل الأبواب التي تُغلق في وجوهنا تعني أن الفرص قد انتهت. فقد نمضي في طريق لا نعرف إلى أين يأخذنا، ونواجه من العثرات ما يجعلنا نظن أننا ابتعدنا عن غاياتنا، ثم تكشف لنا الأيام أن بعض ما خشيناه كان سببًا في نجاتنا، وأن ما حسبناه خسارة كان بداية لعطاء لم نتوقعه.
يقول المثل الشعبي القديم «الرزق في أطراف العجاج»، وفي هذه العبارة حكمة تختزل الكثير من تجارب الحياة. فحين تشتد الرياح وتثير الأتربة حتى تكاد الرؤية تنعدم، نظن أن الأفق لم يعد يحمل سوى الغبار، ثم قد تهدأ العاصفة وتأتي أمطار تغسل وجه الأرض وتعيد إليها صفاءها. وهكذا بعض مراحل الحياة، تشتد علينا حتى تضيق بها صدورنا، ثم تحمل لنا الأيام ما لم نكن نتوقعه. فلا يمكننا دائمًا أن نحكم على ما ينتظرنا من قسوة اللحظة التي نعيشها.
لا شيء يأتي دون ثمن، فبعض الأرزاق تسبقها مشقة، وبعض النجاحات تولد من رحم التعثر. وليس كل رزق مالًا أو منصبًا، فقد يكون بصيرة تنقذنا من قرار خاطئ، أو قوة نكتشفها في أنفسنا، أو طمأنينة نستعيدها بعد طول اضطراب.
ولعل المثل العربي «رُبَّ ضارّةٍ نافعة» يجسد جانبًا من هذه الحقيقة؛ فكم من أمر سعينا إليه ولم يتحقق، ثم أدركنا أن صرفه عنا كان خيرًا، وكم من تجربة لم نخترها تركت في نفوسنا من الحكمة ما لم تمنحنا إياه سنوات الرخاء.
وليس أشد على الإنسان من أن تضيق أمامه السبل، وتتأخر أمنياته، ويجد نفسه أمام مستقبل لا تتضح معالمه. وفي مثل هذه اللحظات يتجلى معنى اليقين بالله، حين يواصل الإنسان سعيه رغم مخاوفه، مؤمنًا بأن لله حكمة في كل أمر، وأن ضيق الأسباب لا يعني انقطاع الأمل.
وكما جاء في الأبيات المشهورة:
«ولربَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى
ذرعًا وعندَ اللهِ منها المخرجُ
ضاقت فلما استحكمت حلقاتُها
فُرِجت وكنتُ أظنُّها لا تُفرجُ»
فليس اليقين أن نعرف كيف ستنتهي الأمور، وإنما أن نطمئن إلى حكمة الله ونحن نجهل مآلاتها، وأن ندرك أن السعي مسؤوليتنا، أما النتائج فلها أقدارها وأوقاتها.
ولعل ما يستحق التأمل أننا كثيرًا ما نحكم على تجاربنا ونحن لا نزال في منتصفها، فنحسب التعثر إخفاقًا والتأخر حرمانًا، مع أن الأيام قد تكشف لنا أبعادًا لم تكن في الحسبان. وليس بالضرورة أن نحصل على ما تمنيناه، فقد يكون الخير فيما صُرف عنا، أو فيما تعلمناه ونحن نحاول الوصول إليه.
وحين ننظر إلى ما مضى من أعمارنا، ندرك أن بعض المحطات التي أثقلتنا لم تتركنا كما كنا، بل منحتنا قدرة أكبر على التمييز بين ما يستحق أن نسعى إليه وما ينبغي أن نتجاوزه. فليست قيمة الرحلة في الوصول وحده، وإنما في الإنسان الذي نصبح عليه خلالها.
همسة أمل
لا تحكم على الطريق وأنت في أشد لحظات العجاج، ولا تجعل ضيق الرؤية يضعف يقينك بالله. امضِ بما تملك من سعي، واترك للأيام أن تكشف ما خفي عنك من حكمة، فقد لا يأتي الرزق من الباب الذي انتظرته، وربما تجد في نهاية طريق لم تختره خيرًا لم يخطر لك على بال.