دارين محمد الدويري تكتب لـ “درة”| ماذا يخبرنا الألم؟

ماذا لو كان الألم يخبرنا بشيء نحتاج إلى أن ننتبه إليه؟
فالألم في الجسد ليس مجرد إحساس مزعج، بل قد يكون إشارة تنبّهنا إلى أن هناك مشكلة تحتاج الي حل . ولهذا فإن وجود الألم لا يعني دائمًا أن الأمور أصبحت أسوأ، فقد يكون هو التنبيه الذي يدفعنا إلى البحث عن السبب قبل أن تتفاقم المشكلة.
تخيّل أن يصيبك مرض دون أن تشعر بأي ألم، كيف ستعرف أن في جسدك شيئًا يحتاج إلى علاج ؟
فالأمراض التي لا تُظهر ألمًا قد تكون أشد إرباكًا؛ فهي تتسلل الي الجسد دون ان يشعر و تؤذيه أما الألم، فعلى الرغم من إزعاجه، فإنه يلفت انتباهنا إلى أن شيئًا ما يحدث في الداخل.
ولهذا تختلف الآلام.
فمنها ما يكون عابرًا ويزول، ومنها ما يحتاج إلى فحص ومعرفة سببه، ومنها ما يتكرر مرة بعد أخرى؛ وكأن الجسد يقول لنا: ما زال هناك شيء لم يُعالج.
خذ ألم الأسنان مثالًا.
قد يكون الألم بسبب تسوس، أو التهاب، أو مشكلة أخرى تحتاج إلى فحص وعلاج. وقد يهدأ الألم فترة ثم يعود من جديد، وهنا لا يكون الحل في أن نستمر في تسكينه كل مرة، بل في أن نبحث عن مصدره.
وأحيانًا يكون العلاج بسيطًا، وأحيانًا يحتاج إلى إجراء أكثر حسمًا، بحسب السبب وحالة السن.
وهكذا هي بعض آلام الحياة.
قد نتألم من موقف، أو علاقة، أو خذلان، أو أمر يتكرر في حياتنا. نحاول أن نتجاوزه، ثم يعود الألم من جديد، فنعتاد وجوده بدل أن نسأل عن سببه.
لكن الألم المتكرر يستحق أن نتوقف عنده.
ليس معنى ذلك أن نلوم أنفسنا على كل ما يؤلمنا، ولا أن كل ألم سببه خطأ ارتكبناه؛ فالحياة تحمل لنا أمورًا لا نختارها، وقد يؤذينا أشخاص أو تقع لنا أحداث خارجة عن إرادتنا.
لكن عندما يتكرر الألم، ربما يكون من المفيد أن نسأل أنفسنا:
ماذا يخبرني هذا الألم؟
هل هناك أمر أحتاج إلى تغييره؟ هل أحتاج إلى وضع حدود؟ هل أحتاج إلى أن أغيّر طريقة تعاملي مع موقف ما؟ أم أنني أحتاج إلى تقبّل أمر لا أملك تغييره؟
فليس كل ألم يحتاج إلى الهروب منه، وليس كل ألم يحتاج إلى قرار حاسم. بعض الآلام تحتاج إلى إصلاح، وبعضها يحتاج إلى صبر، وبعضها يحتاج إلى تغيير طريقة تعاملنا معها، وبعضها يحتاج إلى شجاعة اتخاذ القرار المناسب.
وأحيانًا لا يكون الخطر في الألم نفسه، بل في أن نعتاد عليه.
نمر بالموقف مرة، ثم أخرى، ثم أخرى، حتى يصبح ما كان يؤلمنا بالأمس أمرًا عاديًا اليوم. لا لأننا شُفينا، بل لأننا أُعتدنا عليه.
تصبح الأشياء التي كانت تفرحه عادية، والتي كانت تحزنه عابرة، وكأن المشاعر فقدت قدرتها على الوصول إليه. تتساوى المشاعر داخله، ويصبح غياب الألم في ظاهره هدوء، بينما قد يكون في داخله علامة على أنه لم يعد يصغي لما يحدث فيه.
ولذلك، ليس كل غياب للألم دليلًا على أننا بخير.
قد يعجز الإنسان أحيانًا عن فهم ما يحدث داخله، لكن هناك من يعلم ما لا يستطيع هو أن يشرحه، ويرى ما لا يراه الآخرون، ويعلم خفايا قلبه قبل أن ينطق بها. نعم أن ما نخفِيه عن الناس ، لا يخفى على الله.
قال تعالى:
﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾
ما أعمق أن تأتي هذه الآيات إلى قلب أنهكه الألم؛ لتذكره بأن الله يعلم ما خفي عليه، ويعلم موضع وجعه، وما عجز هو عن التعبير عنه.
قد لا نعرف متى يأتي الفرج، ولا كيف سيأتي، لكننا نعرف أن أمرنا ليس خافيًا على الله.
نطلب منه الشفاء حين يتعب الجسد، والسكينة حين يتعب القلب، والعون حين نعجز عن الاستمرار، ونترك له ما لا نستطيع حمله وحدنا. فقد يكون ألمًا يحتاج إلى علاج، أو موقفًا يحتاج إلى مراجعة، أو قرارًا يحتاج إلى شجاعة، أو شيئًا في داخلنا يحتاج إلى أن نلتفت إليه من جديد.
بعض الألم جاء ليوقظنا، لا ليؤلمنا فقط.
وحين نعرف ما نستطيع فعله، نأخذ بالأسباب، ونسعى إلى للعلاج، ثم يأتي دور الصبر على ما أصابنا، كما قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾
فالصبر ليس أن نتوقف عن السعي، بل أن نمضي فيما نستطيع، ونطمئن إلى الله فيما يتجاوز قدرتنا ، هو يعلم موضع الألم، ويعلم ما وراءه، ويلطف بنا فيما لا نراه.
إن الله، لطيف خبير.