المحليات

التراث السمعي والبصري.. ذاكرة الأوطان التي لا تهرم

ولاء با عظيم - جدة  

في اليوم العالمي للتراث السمعي البصري، الذي يوافق 27 أكتوبر من كل عام، تتجدد أهمية المحافظة على ذاكرة الشعوب، وصون الشواهد التاريخية التي تحكي قصص الأوطان ومسيرتها عبر الأجيال.

فالأوطان لا تُعرف بتاريخها المكتوب فحسب، بل بأصوات أبنائها، وصور مدنها، وتسجيلات أحداثها، ومشاهد مناسباتها، وكل ما يوثّق حياتها الاجتماعية والثقافية والحضارية.

ويمثل التراث السمعي والبصري سجلًا حيًا لتاريخ الإنسانية، بما يضمه من تسجيلات إذاعية وتلفزيونية، وأفلام وثائقية، وصور تاريخية، وخطب وقصائد، وأهازيج شعبية، ومقابلات مع شخصيات أسهمت في صناعة التاريخ.

ذاكرة تحفظ الماضي للأجيال

إن التسجيلات القديمة ليست مجرد أصوات وصور محفوظة في الأرشيف، وإنما نوافذ نطل منها على حياة الأجداد، ونتعرف من خلالها على ملامح المدن القديمة، والعادات الاجتماعية، والتحولات الثقافية والاقتصادية التي شهدتها المجتمعات.

فقد تختصر صورة تاريخية واحدة صفحات من الوصف، وقد يعيد تسجيل صوتي نادر إحياء مرحلة كاملة من تاريخ وطن، بينما يوثّق فيلم قديم تفاصيل حياة لم تعد موجودة إلا في ذاكرة من عاصروها.

ومن هنا تبرز أهمية المحافظة على هذا التراث، باعتباره جسرًا يصل الماضي بالحاضر، ويمنح الأجيال القادمة فرصة التعرف على جذورها وهويتها الوطنية.

المملكة.. تاريخ عريق وذاكرة متجددة

تزخر المملكة العربية السعودية بإرث سمعي وبصري غني، يوثّق مراحل تأسيس الدولة السعودية وتطورها، ويرصد مسيرة البناء والتنمية والنهضة التي شهدتها البلاد.

وتحظى الصور التاريخية للحرمين الشريفين، والتسجيلات القديمة لمواسم الحج والعمرة، والأفلام التي توثّق تطور المدن السعودية، بمكانة مهمة في الذاكرة الوطنية.

كما تشكل التسجيلات الإذاعية والتلفزيونية القديمة، والقصائد والأهازيج والفنون الشعبية، جزءًا أصيلًا من الموروث الثقافي للمملكة، بما يعكس تنوع مناطقها وثراء هويتها.

وتبرز دارة الملك عبدالعزيز بوصفها إحدى المؤسسات الوطنية المعنية بجمع المصادر التاريخية وحفظها، بما تتضمنه من صور وأفلام وتسجيلات ووثائق تسهم في صون الذاكرة الوطنية.

وفي سياق المحافظة على الإرث السينمائي، أطلقت هيئة الأفلام مبادرة «إيداع الأفلام» عبر الأرشيف الوطني للأفلام، بهدف جمع الأفلام السعودية والعربية وأرشفتها وحفظها للأجيال القادمة.

التكنولوجيا في خدمة التاريخ

مع التطور التقني المتسارع، أصبحت رقمنة التسجيلات القديمة وترميم الأفلام والصور التاريخية من أهم الوسائل المستخدمة لحماية التراث السمعي والبصري من التلف والضياع.

ولا تقتصر أهمية الرقمنة على حفظ المواد التاريخية، بل تمتد إلى تسهيل الوصول إليها، والاستفادة منها في البحوث العلمية والأعمال الوثائقية والإنتاج الإعلامي والثقافي.

وتتضاعف مسؤولية المؤسسات الإعلامية والثقافية في هذا المجال، من خلال المحافظة على أرشيفها التاريخي، وتوثيق الأحداث الوطنية والاجتماعية، وإنتاج محتوى يعكس الهوية الثقافية للأوطان.

مسؤولية تتجاوز المؤسسات

إن المحافظة على التراث السمعي والبصري ليست مسؤولية الجهات الرسمية وحدها، بل هي مسؤولية مجتمعية يشارك فيها الأفراد والأسر والمؤسسات الإعلامية والثقافية.

فقد تحتفظ أسرة بصورة نادرة لأحد أحياء المدينة، أو يمتلك أحد كبار السن تسجيلًا تاريخيًا لمناسبة اجتماعية، أو توجد لدى مؤسسة إعلامية مشاهد قديمة توثّق حدثًا مهمًا.

وهذه المواد، مهما بدت محدودة، قد تشكل إضافة ثمينة إلى ذاكرة المجتمع عندما تُحفظ وتُوثّق بصورة صحيحة.

ذاكرة الأوطان لا تهرم

تبقى قيمة التراث السمعي والبصري في قدرته على منح الماضي حضورًا متجددًا في حياتنا، فالأحداث تمضي، والأجيال تتعاقب، والمدن تتغير ملامحها، لكن الصور والأصوات تظل شاهدة على ما كان.

وفي اليوم العالمي للتراث السمعي البصري، تتأكد حقيقة أن المحافظة على تاريخ الأوطان ليست مجرد استعادة للماضي، بل استثمار في المستقبل، وتعزيز للهوية والانتماء، وحفظ للإرث الذي تستحق الأجيال القادمة أن تعرفه وتفخر به.

فقد تشيخ المباني، وتتغير المدن، وترحل الأجيال، لكن ذاكرة الأوطان تظل حية ما دمنا نحسن حفظها ونقلها لمن يأتي بعدنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى