«مشاكلنا بيناتنا»… كذبة يصدقها الأهل ويدفع الأبناء ثمنها

بقلم : الدكتورة نور العوفي  

من قلب الأسرة

«لا تخافوا… مشاكلنا بيناتنا وما إلها علاقة بالأولاد.»
جملة تتكرر كثيرًا داخل البيوت التي تعيش خلافات زوجية أو توترًا أسريًا.
لكن الحقيقة التي قد تكون صادمة لبعض الأهل هي:
الأطفال لا يحتاجون أن يسمعوا تفاصيل المشكلة حتى يتأثروا بها.
الطفل يلتقط نبرة الصوت، نظرات الغضب، الصمت الطويل، أبواب الغرف المغلقة، التوتر على مائدة الطعام، وتغيّر طريقة تعامل الأب والأم معه ومع بعضهما.
وقد لا يعرف الطفل ما الذي يحدث بالضبط…
لكنه يعرف أن شيئًا ما ليس على ما يرام.
المشكلة لا تبقى بين الزوجين
عندما يعيش الطفل في بيئة مليئة بالصراخ، التهديد، الإهانة، التجاهل، البرود العاطفي أو الخلافات المستمرة، قد يبدأ جسمه وعقله بالتعامل مع البيت وكأنه مكان غير آمن نفسيًا.
وهنا قد تظهر أعراض لا يربطها الأهل مباشرة بالمشاكل الأسرية.
طفل أصبح عصبيًا.
طفل كثير البكاء.
طفل بدأ ينعزل.
طفل لا يريد الذهاب إلى المدرسة.
طفل أصبح عدوانيًا مع إخوته.
طفل فقد اهتمامه بأشياء كان يحبها.
أو طفل أصبح هادئًا بشكل مبالغ فيه…
والهدوء هنا ليس دائمًا علامة على أن الطفل بخير.
أحيانًا يكون الطفل قد تعلم أن يصمت لأنه لا يعرف كيف يتعامل مع ما يحدث حوله.
ثم يأتي السؤال الذي يتكرر:
«شو صاير مع ابني؟ مستواه الدراسي نزل فجأة!»
قد تكون المشكلة ليست في قدراته الأكاديمية أصلًا.
فالطفل الذي يعيش توترًا مستمرًا قد يجد صعوبة في التركيز، وتنظيم أفكاره، وتذكر المعلومات، وإنجاز واجباته.
كيف نطلب منه أن يركز في درس الرياضيات بينما جزء من عقله مشغول بالسؤال:
«هل ماما وبابا رح يتخانقوا اليوم؟»
أو:
«هل أبي رح يترك البيت؟»
أو:
«هل أمي زعلانة بسببي؟»
أو حتى:
«هل أنا السبب؟»
وهنا تبدأ الدائرة الخطيرة
توتر داخل البيت…
قلق وخوف عند الطفل…
ضعف التركيز والنوم أو اضطراب السلوك…
تراجع أكاديمي…
توتر أكبر من الأهل بسبب الدراسة…
انتقادات وصراخ أكثر…
مزيد من القلق…
وهكذا يدخل الطفل في دائرة قد يصعب الخروج منها إذا لم ننتبه إلى أصل المشكلة.
والأسوأ أن بعض الأطفال يحملون أنفسهم المسؤولية
الطفل لا يمتلك دائمًا القدرة النفسية على فهم تعقيدات العلاقة بين الكبار.
لذلك قد يفكر بطريقة بسيطة ومؤلمة:
«يمكن لأنني ما كنت شاطر.»
«يمكن لأنني عملت مشكلة.»
«يمكن لو صرت أحسن، ماما وبابا ما بيتخانقوا.»
وهنا يتحول الخلاف الزوجي إلى شعور داخلي بالذنب.
ومع الوقت قد يظهر ذلك في صورة:
قلق، خوف من الفشل، حساسية مفرطة تجاه النقد، ضعف الثقة بالنفس، انسحاب اجتماعي، غضب، سلوكيات عدوانية، أو تعلق زائد بأحد الوالدين.
لكن التأثير لا يتوقف عند الجانب النفسي
المشاكل الأسرية المستمرة قد تنعكس على علاقة الطفل بالمدرسة.
قد يصبح أقل مشاركة.
أقل اهتمامًا بالدراسة.
أكثر نسيانًا.
أكثر رفضًا للواجبات.
وقد يصفه البعض بسرعة بأنه:
«كسول»
أو:
«ما عنده مسؤولية»
أو:
«ما بيحب الدراسة.»
بينما قد يكون الطفل ببساطة مُحترقا نفسيًا.
وهنا علينا أن نتوقف.
ليس كل تراجع دراسي مشكلة أكاديمية.
وليس كل سلوك مزعج مشكلة سلوكية منفصلة.
أحيانًا يكون السلوك رسالة عن شيء يحدث في مكان آخر.
وماذا عن المراهق؟
المراهق قد لا يبكي أمامنا.
قد لا يخبرنا بما يشعر.
وقد لا يقول:
«أنا متأثر من مشاكل البيت.»
بدلًا من ذلك قد يهرب إلى غرفته، الهاتف، الألعاب، الأصدقاء، النوم الطويل أو العزلة.
وقد يصبح أكثر تحديًا وعصبية.
وأحيانًا يبدأ بالبحث عن الأمان العاطفي خارج المنزل بطريقة قد تكون غير ناضجة أو غير آمنة.
لذلك عندما يتغير المراهق فجأة، لا يكفي أن نسأله:
«ليش صرت هيك؟»
علينا أن نسأل أيضًا:
«شو عم يصير حواليه؟»
أخطر ما يمكن أن يفعله الأهل
أن يضعوا الطفل في المنتصف.
«روح قل لأبوك…»
«أمك هي السبب.»
«إذا بتحبني، ما تحكي مع أمك عن الموضوع.»
«أبوك ما بيهتم فينا.»
هنا لا يعود الطفل مجرد شاهد على الخلاف…
بل يصبح طرفًا فيه.
وهذا حمل نفسي أكبر بكثير من عمره.
الطفل ليس رسولًا بين الزوجين.
وليس قاضيًا.
وليس حليفًا لأحد الوالدين.
وليس مسؤولًا عن إصلاح زواج والديه.
فماذا نفعل؟
ليس المطلوب أن يعيش الأب والأم وكأنهما لا يختلفان.
الخلاف جزء من الحياة الزوجية.
لكن هناك فرق هائل بين:
خلاف صحي يُدار باحترام،
وبين
بيئة أسرية يعيش فيها الطفل بشكل مستمر تحت الخوف والتوتر والإهانة.
الأطفال لا يحتاجون أهلًا مثاليين.
يحتاجون أهلًا يعرفون كيف يختلفون دون أن يحطموا شعورهم بالأمان.
وإذا حدث خلاف أمام الطفل، يمكن للأهل أن يعيدوا بناء الأمان من خلال رسالة واضحة:
«اللي صار بين الكبار مش مسؤوليتك.
إنت ما إلك ذنب.
ونحنا منحّبك، ورح نهتم فيك مهما صار بيننا.»
رسالة لكل أب وأم
قبل أن تسألوا:
«ليش ابني مستواه نزل؟»
اسألوا:
«كيف هو وضعه النفسي؟»
وقبل أن تقولوا:
«ليش صار عصبي؟»
اسألوا:
«شو عم يشوف ويسمع ويعيش داخل البيت؟»
وقبل أن تعاقبوا الطفل على سلوك تغيّر فجأة…
حاولوا أن تفهموا الرسالة الموجودة خلف السلوك.
فقد لا يكون ابنكم هو المشكلة.
قد يكون ابنكم هو أول شخص أظهر أثر المشكلة.
والفرق بين الجملتين…
قد يغيّر طريقة تعاملكم معه بالكامل.

الدكتورة نور العوفي
استشارية الصحة النفسية و الأسرية و التربوية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى