الإقرار كوسيلة إثبات في النظام السعودي

أثير عبد الرحمن البصري اخصائية قانونية  

يعتبر الإثبات الوسيلة الأساسية لحماية حقوق الأطراف،بحيث لا يكفي وجود الحق فقط بل لابد أن يقترن بالدليل الذي يثبته أمام القضاء. ومن بين وسائل الإثبات التي أولاها المنظم عناية خاصة، يتضح أهمية الإقرار بوصفه يعد من أقوى الأدلة، وذلك لما عليه من اعتراف الشخص نفسه بحق غيره عليه.

أخبارك اليوم على : سناب شات صحيفة درة

وقد نظم نظام الإثبات السعودي بمرسوم ملكي رقم (م/43) وتاريخ 1443/5/26هـ ،تاريخ النشر1443/06/04 هـ الموافق : 07/01/2022 مـ  الإقرار ضمن وسائل الإثبات في بناء متكامل،وقد حدد طبيعته،وشروطة،وحجيته،بما يعكس تأثيره العميق بالفقة الإسلامي، وفي نفس الوقت توافقه مع الاتجاهات الحديثة في التنظيم القانوني.

أولا: موقع الإقرار ضمن منظومة الإثبات

حيث نصت المادة الثالثة من نظام الإثبات على “البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر. البينة لإثبات خلاف الظاهر، واليمين لإبقاء الأصل. البينة حجة متعدية، والإقرار حجة قاصرة. الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان”

ويتضح من هذه المادة عن عدة دلالات عميقة:

  • أن الإقرار يُعد استثناءً على الأصل العام في الإثبات؛ إذ يغني عن إقامة البينة.
  • أن حجيته قاصرة على المقر، بخلاف البينة التي تمتد آثارها إلى غيره.
  • أن الإقرار يمثل انتقالًا من عبء الإثبات إلى إقرار الخصم نفسه بالحقيقة، مما يقوي مركز المدعي ويغنيه عن الإثبات.

كما أن تقرير أن “الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان” يقوي جانب وسائل الإثبات، ويجعل الإقرار ضمن الأدلة التي تُقارب في أثرها المعاينة المباشرة

ثانيا: تعريف الإقرار وأنواعه نظامًا

وقد نظمت المادة الرابعة عشر الإقرار بنص واضح حيث قررت “يكون الإقرار قضائياً إذا اعترف الخصم أمام المحكمة بواقعة مدعى بها عليه، وذلك أثناء السير في دعوى متعلقة بهذه الواقعة. يكون الإقرار غير قضائي إذا لم يقع أمام المحكمة، أو كان أثناء السير في دعوى أخرى.”

ويتضح من هذا النص أن المنظم لم يكتفِ بتعريف الإقرار، بل ربطه بسياقه الإجرائي، مما يؤدي إلى تمييز جوهري في القوة القانونية:

  • الإقرار القضائي: مرتبط مباشرة بالدعوى،أمام القاضي أو أمام جهة مختصة مثل الخبراء الذين تعينهم المحكمة أثناء سير إجراءات الدعوى ويخضع لرقابة المحكمة.فلا يعد إقرار قضائي إن لم يكن أمام المحكمة المعنية بالدعوى و المرتبطة بها أو إقرار أمام الشرطة أو النيابة.
  • الإقرار غير القضائي: مجرد واقعة إثباتية تخضع للتقديريملك القاضي سلطة تقديرية كاملة في الأخذ بالإقرار غير القضائي أو استبعاده وذلك بحسب ما يراه متفقًا مع وقائع الدعوى

ثالثاً: شروط صحة الإقرار في النظام السعودي

حددت المادة (15) الشروط المتعلقة بشخص المقر، فنصت على ضرورة أن يكون أهلاً للتصرف فيما أقر به

وصحة إقرار:

  • الصغير المميز المأذون له في حدود الإذن
  • الولي والوصي وناظر الوقف في حدود ولايتهم

ومن هذا ينعكس دقة المنظم في ربط الإقرار بنطاق السلطة القانونية للمقر.كما جاءت المادة (16) لتحدد الشكل والمضمون، حيث نصت على أن:

  • الإقرار يكون صراحة أو دلالة
  • ويكون باللفظ أو بالكتابة
  • ولا يقبل إذا كذبه ظاهر الحال

وهذا النص بالغ الأهمية؛ لأنه يوسع من صور الإقرار (حتى الإقرار الضمني) لكنه في المقابل يضع قيدًا موضوعيًا مهمًا وهو مطابقة الإقرار للواقع الظاهر. عدم قبول الإقرار في بعض الحقوق كما لا يُقبل الإقرار إذا تعلق بحقوق لا يجوز التصرف فيها أو تمس النظام العام وهو ما يستفاد من المبادئ العامة في النظام.

رابعاً: حجية الإقرار القضائي وأثره الملزم

نصت المادة (17) قاعدة حاسمة:“الإقرار القضائي حجة قاطعة على المقر، وقاصرة عليه.”

ويترتب على ذلك أن القاضي يعتبر ملزم بالأخذ بالإقرار القضائي وأنه لا يمتد أثره إلى الغير بل على المقر

ثم جاءت المادة (18) لتعزز هذه الحجية بنصها على أن الإقرار ملزم لصاحبه ولا يجوز الرجوع عنه ولا يتجزأ الإقرار، إلا إذا تعلق بوقائع مستقلة

وهذا يعني أن الإقرار يُؤخذ كوحدة واحدة ولا يجوز للخصم أن يختار منه ما يفيده ويترك ما يضره وهو ما يعكس منطق العدالة في التعامل مع الدليل الصادر من الخصم نفسه ولايكون هناك تعدي وظلم على المقر. ورغم القوة الملزمة للإقرار، إلا أن النظام لم يجعله مطلقًا، بل قيده بعدة ضوابط:

  1. إمكانية الطعن في الإقرار حيث يجوز للمقر أن يطعن في إقراره إذا أثبت وقوعه تحت إكراه أو نتيجة غلط جوهري وذلك تطبيقًا للقواعد العامة في بطلان التصرفات.

خامساً: إثبات الإقرار غير القضائي

نصت المادة (19) على أن:“يكون إثبات الإقرار غير القضائي وفق الأحكام المقررة في هذا النظام…”

ويفهم من ذلك أن الإقرار غير القضائي ليس حجة قاطعة وإنما يخضع لقواعد الإثبات العامة، ومنها:

  • القيود المتعلقة بالإثبات بالشهادة
  • قواعد الإثبات بالكتابة

مما يجعل هناك سلطة واسعة للقاضي في تقدير هذا النوع من الإقرار ومدى إعتبارة دليل مؤثر في الدعوى.

سادساً: الإقرار كبديل عن الكتابة

جاءت المادة (51) لتقرر مبدأ بالغ الأهمية، حيث نصت على أنه:يجوز أن يحل الإقرار القضائي محل الكتابة في الأحوال التي يشترط فيها الإثبات بالكتابة.

ويترتب على ذلك أن الإقرار القضائي قد يرتقي إلى مرتبة الكتابة في الإثبات بل قد يغني عنها تمامًا وهو ما يعزز من قوته كدليل حاسم كما ربطت المادة ذلك بمفهوم مبدأ الثبوت بالكتابة وهو: كل كتابة تصدر من الخصم ويكون من شأنها أن تجعل وجود التصرف المدعى به قريب الاحتمال.مما يضع الإقرار في مكانة جداً قوية في الإثبات وبديل قوي للبينة من المدعي.

وخاتمًا يتضح من خلال استقراء نصوص نظام الإثبات السعودي أن الإقرار ليس مجرد وسيلة إثبات عادية، بل هو دليل ذو طبيعة خاصة يجمع بين القوة الإلزامية والقيود التنظيمية الدقيقة. فقد حرص المنظم على منحه حجية قاطعة في حال كونه قضائيًا وتقييده بشروط تتعلق بالأهلية والإرادة ومطابقة الواقع و تحديد نطاق أثره ليبقى قاصرًا على المقر.وبذلك يحقق النظام توازنًا دقيقًا بين حسم النزاع وضمان عدالة الإثبات، في إطار يعكس تأصيلاً فقهياً عميقاً وصياغة نظامية حديثة.

قد يهمك ايضاً : 

مساحة إعلانية

دليل المحامين - التقنية القانونية
دليل المحامين – التقنية القانونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى