القحطاني لـ(درة): الهوية الثقافية تصنع صورة المكان.. والمنافسة السياحية المقبلة ستكون على «المعنى» لا الخدمات

تكبير الخط ؟
أكدت الأكاديمية بجامعة الملك سعود ونائب رئيس مجلس إدارة جمعية الأدب المهنية الدكتورة نورة سعيد القحطاني أن الثقافة لم تعد عنصرًا مكمّلًا للمنتج السياحي بل أصبحت أساسًا في تشكيل هوية المكان وصورته في الوعي السياحي مشيرة إلى أن السائح اليوم «لا يبحث عن موقع جميل فحسب وإنما عن تجربة تحمل معنى وعن مكان يمتلك خصوصية لا يمكن استنساخها»
وفي حديثها لـ(دره) أوضحت أن ورقتها العلمية «الهوية الثقافية وصناعة صورة المكان»، التي قدمتها ضمن أعمال ملتقى الهوية الثقافية، انطلقت من سؤال جوهري: «كيف تتحول الهوية الثقافية إلى صورة راسخة في الوعي السياحي؟» مؤكدة أن التراث وحده لا يصنع مكانًا مؤثرًا بل إن «الطريقة التي ننتج بها معنى هذا التراث هي التي تصنع الصورة».
وترى “القحطاني أن أهمية الملتقى تنبع من طبيعة السؤال الذي يطرحه حول العلاقة بين الثقافة والسياحة، مؤكدة أن هذه العلاقة لم تعد هامشية، ولا يمكن النظر إلى الثقافة بوصفها عنصرًا تجميليًا يضاف إلى المنتج السياحي بعد اكتماله.
وقالت: «نحن اليوم أمام تحول حقيقي في مفهوم السياحة؛ إذ أصبح السائح يبحث عن المعنى، وعن خصوصية المكان، وعن تجربة لا يمكن استنساخها في وجهة أخرى».
وأضافت “أن الملتقى يمثل مساحة للحوار بين الباحثين والممارسين وصناع المشهد الثقافي والسياحي وينقل النقاش من سؤال «كيف نجذب السائح؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: «ماذا نريد أن يقرأ السائح في المكان؟ وما الصورة التي ستبقى في ذاكرته بعد مغادرته؟» معتبرة أن هذه الأسئلة تواكب الحراك الثقافي والسياحي الذي تشهده المملكة.
وأشارت “إلى أن ورقتها البحثية انطلقت من ملاحظة مفادها أن امتلاك المكان لمقومات تاريخية أو تراثية لا يعني بالضرورة نجاحه في صناعة حضور سياحي مؤثر، موضحة أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في وجود التراث، بل في كيفية إعادة تأويله وتقديمه ضمن سردية ثقافية قابلة للفهم والتجربة.
وأضافت: «انتقلت الورقة من سؤال: ماذا يملك المكان؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف يجعل المكان ما يملكه قابلًا للتجربة والتذكر؟».
وبيّنت أن منظور الدراسات الثقافية يختلف عن المقاربات التقليدية التي تركز على الجوانب المادية للمكان، إذ ينظر إلى المكان بوصفه «نصًا ثقافيًا» يُنتج المعنى، ويُبنى من خلال السرد والذاكرة والتمثيل، وليس فقط عبر الجغرافيا أو العمران.
وعن اختيار التجربة السعودية، أوضحت أنها تمثل نموذجًا ثريًا لفهم التحولات في العلاقة بين التراث والسياحة، مستشهدة بتجارب العلا، والدرعية، وجدة التاريخية، التي تقدم سرديات مختلفة لصناعة صورة المكان، لكنها تلتقي في إبراز الهوية الثقافية ضمن إطار وطني جامع يعكس التنوع الحضاري للمملكة.
وأكدت” أن الهوية الثقافية أصبحت اليوم عنصرًا حاسمًا في تشكيل الصورة الذهنية للوجهات السياحية، في ظل تشابه الخدمات والبنية التحتية عالميًا، مبينة أن ما يميز المكان هو ذاكرته، ولغته المعمارية، وقصصه المحلية، وأن «المنافسة السياحية في المستقبل ستكون على المعنى والخصوصية، لا على الخدمات وحدها».
ورأت أن نجاح الوجهة السياحية لا يعتمد على الهوية وحدها، ولا على البنية التحتية بمعزل عنها، بل على تكامل الاثنين، موضحة أن الهوية تمنح المكان سبب تميزه، بينما تتيح الخدمات للزائر أن يعيش هذه التجربة بصورة متكاملة.
وفي قراءتها للتحولات التي تشهدها المملكة، أشارت إلى أن ما يحدث اليوم يمثل انتقالًا من «حفظ التراث» إلى «تفعيل معناه»، من خلال توظيف المتاحف، ومسارات الزيارة، والفعاليات، والفنون، والاقتصاد الإبداعي، والتقنيات الحديثة، بما يجعل المكان حاملًا لسرديات متعددة، وليس مجرد موقع للزيارة.
وكشفت” أن أبرز نتائج الورقة تتمثل في أن التراث لا يصنع صورة سياحية قوية بذاته، وإنما تصنعها الطريقة التي يُقدَّم بها، موضحة أن بناء صورة المكان يمر بثلاث مراحل: تحويل الهوية إلى سردية، والسردية إلى تجربة، والتجربة إلى ذاكرة يتداولها الزوار، مؤكدة أن الزائر لم يعد متلقيًا للصورة فقط، بل أصبح شريكًا في إنتاجها ونقلها.
وأضافت “أن القيمة التطبيقية للورقة تكمن في التأكيد على أن التخطيط للوجهات الثقافية ينبغي أن يبدأ من سؤال الهوية والسردية، قبل المشروعات المادية، مشيرة إلى أن الاستثمار في المعنى هو استثمار في الاستدامة السياحية، لأن التجربة الثقافية العميقة هي التي تبقى في ذاكرة الزائر، وتمنحه دافعًا للعودة والتوصية بالمكان.
واختتمت القحطاني” بالتأكيد على أن القضية الأكثر إلحاحًا اليوم تتمثل في تحقيق التوازن بين تعزيز الجاذبية السياحية والحفاظ على أصالة المكان، متسائلة: «كيف نصنع وجهة سياحية عالمية من دون أن يفقد المكان محليته؟»، معتبرة أن هذا السؤال يمثل أحد أبرز تحديات السياحة الثقافية في المرحلة المقبلة.
