د. نور العوفي تكتب لـ “درة”| من قلب الأسرة .. “الطفل الذي لا يسمعك… ربما لم يشعر أنك سمعته أولًا”

بقلم: د. نور العوفي  

كانت الأم تقف في منتصف غرفة الجلوس، وقد ارتفع صوتها للمرة الخامسة خلال دقائق.
“اجمع ألعابك.”
لم يجب الطفل.
كررت الطلب بصوت أعلى.
“قلت لك اجمع ألعابك!”
ظل منشغلًا بما يفعله، وكأن الكلمات لم تصل إليه.
لم تتمالك الأم نفسها، فصرخت: “أنت لا تسمع الكلام أبدًا!”
أما الطفل، فقد نظر إليها للحظة، ثم انحنى بصمت، وجمع ألعابه ببطء، بينما كانت ملامح الخوف أو الحزن ترتسم على وجهه.
يعتقد كثير من الآباء والأمهات أن المشكلة تكمن في أن أبناءهم لا يسمعون الكلام، لكن الحقيقة النفسية أعمق من ذلك بكثير.
فالطفل لا يحتاج دائمًا إلى صوت أعلى… بل إلى علاقة أقوى.
إننا كثيرًا ما ننشغل بتصحيح السلوك، وننسى أن نسأل سؤالًا بسيطًا: ما الذي يحاول هذا السلوك أن يقوله؟
وراء كل طفل يرفض، أو يعاند، أو يتجاهل التعليمات، قد تكون هناك رسالة لا تُقال بالكلمات.
ربما يشعر أنه لا يُسمع.
ربما يحتاج إلى بعض الاستقلال، فيقاوم الأوامر لأنه يريد أن يشعر بأنه قادر على الاختيار.
وربما يكون مرهقًا، أو غاضبًا، أو محبطًا، لكنه لا يعرف كيف يعبّر عن ذلك، فيتكلم بسلوكه بدلًا من كلماته.
وهنا يقع كثير من الأسر في خطأ شائع.
فكلما زاد رفض الطفل، زادت الأوامر.
وكلما ارتفع صوته، ارتفعت أصوات والديه.
فتتحول العلاقة تدريجيًا إلى معركة، يكون فيها كل طرف منشغلًا بإثبات موقفه، بدلًا من فهم الآخر.
لكن الأطفال لا يتعلمون التعاون لأننا نصرخ أكثر.
إنهم يتعلمونه عندما يشعرون أن مشاعرهم تُحترم، وأن أصواتهم تُسمع، وأن الخطأ لا يجعلهم يفقدون حب والديهم.
هذا لا يعني أن نسمح بكل السلوكيات، أو أن نتخلى عن الحدود والقواعد.
على العكس، فالأطفال يحتاجون إلى حدود واضحة، لكنهم يحتاجون بالقدر نفسه إلى علاقة آمنة يشعرون فيها أن هذه الحدود وُضعت لحمايتهم، لا لإخضاعهم.
في كل مرة لا يستجيب فيها طفلك، جرّب أن تؤجل الحكم لبضع ثوانٍ، واسأل نفسك:
هل يحاول أن يعاندني… أم أنه يحاول أن يخبرني بشيء لا يعرف كيف يقوله؟
قد تكتشف أن المشكلة لم تكن في الطاعة، بل في الشعور.
وقد تكتشف أن أقصر طريق إلى قلب طفلك ليس مزيدًا من الأوامر… بل مزيدًا من الإصغاء.
فالأطفال الذين يشعرون أنهم مسموعون، يصبحون أكثر استعدادًا للاستماع.
والأطفال الذين يشعرون بالأمان، يكونون أكثر قدرة على التعاون.
وفي نهاية المطاف، لن يتذكر أبناؤنا عدد المرات التي قلنا فيها: “اسمع الكلام”، لكنهم سيتذكرون دائمًا كيف كنا نصغي إليهم عندما كانوا يحاولون أن يقولوا شيئًا لم يجدوا له الكلمات.
لأن التربية الحقيقية لا تبدأ عندما يتغير سلوك الطفل… بل عندما يتغير أسلوب تواصلنا معه.

قبل أن تكرر طلبك للمرة العاشرة، توقف لحظة واسأل نفسك: هل يحتاج طفلي إلى أمر جديد… أم إلى أن يشعر أنني فهمت ما يدور في داخله؟

_سؤال الأسبوع للقراء: هل مررت يومًا بموقف اكتشفت فيه أن سلوك طفلك كان يخفي شعورًا لم تنتبه إليه في البداية؟ شاركونا تجاربكم، فقد تكون قصتكم مفتاحًا لفهم أسرة أخرى.

“وراء كل سلوك رسالة… ووراء كل رسالة طفل ينتظر من يفهمه.”.

———————————-
مختصة في الصحة النفسية و الإرشاد الأسري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى