«حوار الأمن والتاريخ».. متحدثون: الأمن ركيزة راسخة في مسيرة الدولة السعودية

تكبير الخط ؟
أكد متحدثون ومختصون في التاريخ والتراث أن الأمن شكّل ركيزة أساسية في مسيرة الدولة السعودية منذ تأسيسها، وأسهم في استقرار المجتمع وحماية الإنسان وخدمة ضيوف الرحمن.
وأوضحوا لـ«درة» أن التجربة الأمنية تطورت من تأمين طرق الحج وحماية السكان والقوافل إلى منظومة مؤسسية حديثة توظف التقنية والاستباقية، مؤكدين أن قراءة التاريخ تعزز فهم الحاضر واستشراف المستقبل.
الشهري: أولوية وطنية

أكد الدكتور زهير بن عبدالله الشهري، مدير مركز بحوث التأسيس والتاريخ الوطني بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، أن مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ» يمثل انطلاقة مميزة من حيث موضوعه وتنظيمه، مشيرًا إلى أنه سرّ كثيرًا بمسمى المؤتمر وما يحمله من دلالات.
وقال الشهري: «سررت كثيرًا بمسمى المؤتمر، لأن الأمن يعد من أولى أولويات الدولة السعودية منذ تأسيسها، وقد جعل قادة هذه البلاد وسياستها عبر التاريخ الأمن هو الأساس وقبل كل شيء؛ فلا عبادة ولا حج ولا أمن للحرمين ولا تنمية دون الأمن».
وأوضح أن مفهوم الأمن في الدولة السعودية لا يقتصر على الوزارات والإدارات والسياسات الأمنية، بل يتسع ليشمل العدل والتعليم والتنمية بمختلف أشكالها، مؤكدًا أن «الأمن في مفهوم هذه الدولة العظيمة ليس وزارات وإدارات وسياسات، بل العدل والتعليم والتنمية بكل أشكالها جزء أساسي من هذا المفهوم ومن هذه الرؤية الراسخة».
وأشار إلى أن هذه السياسة اتسمت بالمرونة والقدرة على التكيف مع الظروف والمستجدات عبر المراحل التاريخية، مبينًا أن ورقته المشاركة في المؤتمر تتناول الركائز والنهج السعودي منذ عهد الملك عبدالعزيز في بناء أمن البلاد.
وقال: «الوحدة السياسية والاجتماعية أمن، والعدالة التنموية أمن، والعدل والتنمية أمن، والعلاقة الوثيقة بين الحاكم والمحكوم أمن».
وأضاف” أن ما يميز هذه الركائز والنهج السعودي «متانتها ورسوخها وإيمان وثقة الجميع بها»، وهو ما جعلها تأخذ مسارًا متوارثًا في الفكر والوجدان المجتمعي السعودي، مؤكدًا أن ملوك المملكة العربية السعودية واصلوا هذا النهج المتين مع التحديث والتطوير.
ولفت” إلى أن هذا النهج مكّن المملكة من مواجهة مختلف التحديات، وزاد من رسوخه حتى الوصول إلى عصر الأمن السيبراني، مؤكدًا أن هذه السياسات «تعتبر نموذجًا عالميًا ومضرب مثل في الماضي والحاضر، وأمانًا وثيقًا نحو المستقبل».
الفردان: أمن تاريخي

من جانبها، أكدت الدكتورة فاطمة حسين الفردان أستاذ التاريخ السعودي بجامعة الملك سعود أن مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ» الذي تنظمه وزارة الداخلية يمثل مساحة علمية مهمة لقراءة الأمن من منظور يتجاوز مفهومه المباشر إلى فهم جذوره التاريخية وارتباطه ببناء الدولة واستقرار المجتمع.
وقالت الفردان إن أهمية هذا الحوار «تنبع من الجمع بين المعرفة التاريخية والخبرة الأمنية، بما يتيح قراءة أعمق للتجربة السعودية واستجلاء امتدادها عبر مراحلها المختلفة».
وأضافت: «بصفتي مؤرخة، أرى أن استحضار البعد التاريخي في دراسة الأمن يكتسب أهمية خاصة؛ فالتاريخ لا يقدم سردًا للأحداث فحسب، وإنما يكشف كيف تشكل مفهوم الأمن، وكيف أصبح ركيزة من ركائز بناء الدولة وترسيخ سلطتها وحماية المجتمع».
وأوضحت” أن مشاركتها تناولت الأمن في عهد الدولتين السعوديتين الأولى والثانية، حيث كان تحقيق الأمن أحد المرتكزات الأساسية للدولة، من خلال توحيد السلطة وتأمين الطرق وحماية السكان والقوافل وتعزيز حضور الدولة في مناطق نفوذها، وهو ما انعكس على استقرار المجتمع وحركة التجارة والتنقل.
وأشارت” إلى أن تأمين طرق الحج وخدمة الحجاج كان أحد أبرز الأبعاد الإنسانية لهذه الجهود، قائلة: «ارتبط الأمن بحماية الإنسان وتمكينه من أداء نسكه والوصول إلى الأماكن المقدسة في أمن وطمأنينة».
وأكدت” الفردان” أن القراءة التاريخية تكشف أن الأمن في التجربة السعودية «لم يكن إجراءً آنيًا تفرضه الظروف، بل كان جزءًا أصيلًا من مشروع بناء الدولة، وأساسًا لاستقرارها واستمراريتها».
وأشارت “إلى أن تتبع هذا الامتداد التاريخي يتيح فهم المكانة التي احتلها الأمن في مسيرة الدولة السعودية، وكيف تطورت منظومته عبر مراحلها المتعاقبة، وصولًا إلى ما تشهده المملكة اليوم من منظومة أمنية مؤسسية متقدمة تضع أمن الإنسان واستقرار المجتمع وحماية مقدرات الوطن في صميم أولوياتها”
وأضافت “أن قيمة مثل هذه المؤتمرات تبرز في «وصل الخبرة الأمنية بعمقها التاريخي، وتحويل التاريخ إلى مساحة للفهم والتحليل واستخلاص الدلالات»، بما يعزز الوعي بجذور التجربة الأمنية السعودية ويبرز ما تتمتع به من امتداد واستمرارية”
هوساوي: هوية حضارية

بدورها أكدت الدكتورة “سلمى بنت محمد هوساوي” أستاذة التاريخ القديم بجامعة الملك سعود والخبيرة في مجال التراث الثقافي، أن المؤتمرات التي تجمع بين التاريخ والأمن تؤدي دورًا مهمًا في فهم التحولات التي مرت بها المملكة، وربط الماضي بالحاضر واستشراف المستقبل.
وقالت هوساوي: «مثل هذه المؤتمرات مهمة جدًا؛ لأنها تربط بين التاريخ والحاضر، وتساعدنا على فهم التحولات التي مرت بها المملكة العربية السعودية بصورة أعمق. كما أنها تتيح للباحثين والمختصين تبادل المعرفة والخبرات».
وأكدت أن دراسة التاريخ «ليست مجرد استعراض للماضي، بل وسيلة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل»، مشيرة إلى أن الأمن يمثل جزءًا مهمًا من الاستقرار وعنصرًا رئيسيًا في التنمية، وتحديدًا التنمية المستدامة.
وأضافت أن المؤتمر يمثل «منصة فكرية حوارية تستعرض مسيرة المملكة في الأمن والاستقرار والحفاظ على القيم الثقافية والهوية الوطنية وبناء جيل مسؤول تجاه نفسه ودينه ووطنه».
وأشارت إلى أن المؤتمر يمثل كذلك منصة وطنية حوارية وفكرية وتاريخية تستعرض مسيرة المملكة العربية السعودية في الأمن والتنمية، بمشاركة نخبة واسعة من المسؤولين والقيادات والخبراء والباحثين والأكاديميين والإعلاميين من داخل المملكة وخارجها.
وفيما يتعلق بالتراث الثقافي، أوضحت هوساوي أن المملكة تمتلك تنوعًا حضاريًا وثقافيًا كبيرًا، يضم المواقع الأثرية والفنون والحرف التقليدية، مؤكدة أن إبراز هذا التنوع عالميًا «يساهم في تقديم صورة أعمق عن المملكة، ويؤكد على مكانتها الحضارية بين الحضارات المتزامنة».
وأوضحت أن مشاركتها تتناول الموروث الحضاري للمملكة العربية السعودية من عدة جوانب، من بينها الجغرافيا والعلاقة بين الإنسان والمكان، والقيم الإنسانية في المجتمع السعودي الممتدة والمتجذرة منذ القدم، ومنها الكرم والشجاعة والعدل، إلى جانب الدرعية وامتدادها ودورها في الإكرام الحضاري، ودور الباحثين والمتخصصين في حفظ هذا الإرث الثقافي للمملكة.
أبوقايد: منظومة استباقية

وفي السياق ذاته، أكدت الدكتورة أحلام علي أحمد أبوقايد، أستاذ التاريخ السعودي بجامعة أم القرى أن انطلاق مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ» يمثل أهمية كبيرة؛ لأنه يطرح حوارًا معرفيًا يجمع بين التاريخ والأمن، ويؤكد أن فهم الماضي يساعد على قراءة الحاضر والتعامل مع تحديات المستقبل بوعي أكبر.
وقالت أبوقايد: «يمثل المؤتمر إضافة مهمة للمشهد الثقافي والمعرفي، من خلال جمع المختصين والباحثين وتبادل الخبرات والأفكار، وفتح المجال أمام قراءة التاريخ من زاوية أوسع تربط الذاكرة والهوية بقضايا الأمن والاستقرار».
وأضافت أن أبرز ما يميز المؤتمر «أنه يحول التاريخ من مجرد سرد للأحداث إلى معرفة يمكن الاستفادة منها في بناء الوعي وتعزيز المستقبل».
وأوضحت أن مشاركتها تأتي من خلال ورقة عمل بعنوان «عناية المملكة العربية السعودية بحفظ أمن الحج وإدارة الحشود»، التي تسلط الضوء على الجهود الكبيرة التي تبذلها المملكة لتوفير أعلى مستويات الأمن والسلامة لضيوف الرحمن، وتهيئة منظومة متكاملة تضمن أداء مناسك الحج في أجواء من الطمأنينة واليسر.
وأشارت إلى أن ورقة العمل تتناول أربعة محاور رئيسية، تشمل السياسات الأمنية العامة، والأجهزة العسكرية والأمنية المشاركة، والاستعدادات التقنية، إلى جانب إدارة الحشود.
وبيّنت أن محور السياسات الأمنية العامة يستعرض المنظومة الأمنية التي تتبناها المملكة لحماية ضيوف الرحمن وتنظيم الحركة خلال موسم الحج والتعامل مع مختلف التحديات والمخاطر المحتملة، فيما يتناول محور الأجهزة العسكرية والأمنية دورها التكاملي في حفظ الأمن وتنظيم حركة الحشود وتأمين المشاعر المقدسة.
وأوضحت أن الاستعدادات التقنية أصبحت عنصرًا أساسيًا في إدارة موسم الحج، من خلال توظيف الأنظمة الرقمية والذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في الرصد والمتابعة وتحليل البيانات ودعم سرعة اتخاذ القرار.
وفيما يتعلق بإدارة الحشود، أكدت أنها «من أهم ركائز نجاح موسم الحج»، من خلال التخطيط المسبق وتنظيم حركة الحشود وتوجيهها وإدارة نقاط التجمع ومسارات المشاة، بما يسهم في الحد من الازدحام ورفع مستوى السلامة.
وأكدت أبوقايد أن الرسالة الأساسية التي تسعى إلى إيصالها من خلال ورقتها تتمثل في أن «أمن الحج وإدارة الحشود في المملكة لم يعودا قائمين على الاستجابة للمواقف فحسب، بل أصبحا منظومة استباقية متكاملة تقوم على التخطيط والتنسيق والتقنية والخبرة المتراكمة».
وأضافت أن النجاحات المتتالية في إدارة مواسم الحج «هي نتاج تكامل الجهود الأمنية والعسكرية والتقنية والتنظيمية، إلى جانب المشاريع التطويرية المتواصلة في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة»، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في الارتقاء بتجربة ضيوف الرحمن وتعزيز جودة الخدمات المقدمة لهم.
وتجمع رؤى المشاركين على أن «حوار الأمن والتاريخ» لا يقدم التاريخ بوصفه سجلًا للماضي فحسب، وإنما يستثمره لفهم تطور مفهوم الأمن في الدولة السعودية، واستقراء التحولات التي شهدتها منظومته، وصولًا إلى نموذج أمني حديث يجمع بين الخبرة التاريخية والعمل المؤسسي والتقنية والاستباقية، بما يعزز أمن الإنسان واستقرار المجتمع ويحمي مقدرات الوطن ويدعم مسيرة التنمية.
