الرف السعيد في سوبر ماركت محمود الفار

اقرأ ثم اقرأ ثم اقرأ
نهضة العقل، وهدوء الأعصاب، وراحة القلب.
في زحام الحياة اليومية، وصخب الركض خلف المتطلبات المادية، تحولت الأسواق المركزية الكبرى إلى ساحات للمطاردة؛ مطاردة السلع، ومقارنة الأسعار، وجمع الاحتياجات التي لا تنتهي.
يدخل المرء منا مثقلاً بضغوط يومه، تحاصره الرفوف الممتدة ببريقها التجاري الاستهلاكي، ويمشي بآلية بين الممرات يملأ عربته بما يسد رمق الجسد.
ماذا عن رمق الروح؟
وماذا عن جوع العقل؟
في زوايا سوبر ماركت “محمود الفار”، وتحديداً عند ذلك الركن الاستثنائي الذي أسميته “الرف السعيد”، تتغير قواعد اللعبة تماماً. هناك، لا تقاس السلع بالوزن أو السعر، بل تقاس بالأثر الممتد في عمق الوجدان. إنه ليس مجرد رف خشبي تتراص عليه الكتب، بل هو “واحة أمان” وسط صحراء الاستهلاك المادي، ومحطة استراحة إجبارية للمسافر المتعب في قطار الحياة السريع.
أن تقف أمام هذا الرف، يعني أنك قررت فجأة أن تمنح نفسك هدنة.
تتوقف حركة العربة المعدنية، ويهدأ صرير العجلات، لتبدأ رحلة من نوع آخر. تمتد يدك لتتصفح كتاباً، وفي تلك اللحظة بالذات، ينفصل المرء عن ضوضاء الثلاجات وأصوات المحاسبين، لينتقل إلى عالم أرحب.
إن الدعوة الملحّة: “اقرأ ثم اقرأ ثم اقرأ”، ليست ترفاً فكرياً، بل هي طوق نجاة. القراءة هنا، وفي هذا المكان غير المتوقع بالذات، تأتي لتذكرنا بإنسانيتنا.
إنها المحرك الأول لـ “نهضة العقل”؛ فالعقل الذي يغرق في تفاصيل الفواتير والالتزامات يحتاج إلى صدمة وعي، وإلى فكرة تخرجه من رتابة التكرار. كتاب واحد تلتقطه من “الرف السعيد” كفيل بأن يفتح في ذهنك نافذة جديدة للنور، ويعيد ترتيب أولوياتك الفكرية.
أما “هدوء الأعصاب”، فهو الثمرة الفورية التي تجنيها بمجرد أن تبحر بين السطور.
في عالمنا المعاصر، أصبحت الأعصاب مشدودة كأوتار ممزقة بسبب الشاشات، والأخبار، والسرعة واللامعقولة.
القراءة هي الصمت الاختياري وسط الضجيج.
هي عملية تنظيم حيوية للأنفاس؛ فبينما تقرأ، تبطئ نبضات قلبك المتسارعة، وتسترخي عضلات وجهك المتشنجة، وتنسحب التوترات تدريجياً لتقدّم لك سلاماً داخلياً عزّ وجوده.
ومن نهضة العقل وهدوء الأعصاب، نصل حتماً إلى الغاية الأسمى: “راحة القلب”. فالقلب يمرض بالوعث والهموم، ولا يداويه شيء مثل كلمة طيبة، أو فكرة ملهمة، أو قصة تنبض بالأمل. “الرف السعيد” يضم بين دفتي كتبه ترياقاً للقلوب المتعبة. يعلمنا كيف نتخفف من أثقال الحياة، وكيف ننظر إلى الوجود بعين الرضا والامتنان.
إن وجود “الرف السعيد” في قلب صرح تجاري كسوبر ماركت “محمود الفار” هو لفتة حضارية ذكية، تؤكد أن غذاء الروح لا يقل أهمية عن غذاء الجسد، وأن الإنسان ليس مجرد مستهلك، بل هو كائن مفكر وحساس.
في المرة القادمة التي تزور فيها هذا المكان، لا تجعل خطواتك تسرع صَوب الرفوف التقليدية فحسب.
خذ نَفَساً عميقاً، واتجه نحو “الرف السعيد”، واجعل شعارك: اقرأ ثم اقرأ ثم اقرأ.
لتخرج من هناك ليس فقط بعربة ممتلئة بالبضائع، بل بعقل ناهض، وأعصاب هادئة، وقلب يرفرف بالراحة والسرور.