آمنة العطاالله تكتب لـ “درة”| الاستمرارية الهادئة

بقلم / آمنة العطاالله  

ليست الحياة لمن يسرع… وإنما لمن يبقى.

ما أكثر الذين يُحسنون البدايات، وما أقل الذين يُجيدون المقام عليها.

فما أسهل أن تشتعل النفس رغبةً، وما أعسر أن تحفظ لذلك الاشتعال وهجه حتى يبلغ غايته. ولعل البدايات لا تحتاج من الإنسان إلا انفعالًا عابرًا، أما الاستمرار فلا يقبل إلا قلبًا رُبّي على الصبر، وعقلًا أدرك أن أعظم ما في الحياة لا يُنال دفعةً واحدة.

ولقد تأملت الناس طويلًا، فما رأيت شيئًا يبدد الأعمار كما يبددها الانقطاع. ليس لأن الطرق طويلة، ولكن لأن النفوس كثيرًا ما تُغادرها قبل أن تكشف لها أسرارها. فما ضاعت الأحلام لأنها مستحيلة، وإنما لأنها تُركت عند أول تعب، وما ماتت المواهب لأنها ضعيفة، وإنما لأنها حُكم عليها بالموت قبل أن يكتمل نموها.

ولعل أعجب ما في الإنسان أنه يهاب طول الطريق، مع أن الله جعل حياته كلها سيرًا بين بدايتين؛ مولدٍ لا يختاره، ولقاءٍ يرجوه المؤمن ويتهيأ له.

فالكون كله يهمس بحقيقة واحدة، غير أن الضجيج الذي يسكن النفوس يحجبها عن السمع.

ليس في هذا الوجود شيء يولد كاملًا.

الفجر لا يقتحم السماء دفعةً، وإنما يتسلل إليها خيطًا من نور، حتى إذا ظنه الناس ضعيفًا، ملأ الأفق ضياءً.

والنهر لا يشق الأرض بضربة، وإنما بقطرةٍ لا تمل العودة.

والشجرة لا تعلو لأنها استعجلت، بل لأنها قبلت أن تقف أعوامًا تمد جذورها في الخفاء، قبل أن تمد أغصانها في العلن.

وكذلك الأرواح…

إنها لا تكبر بما يظهر منها، وإنما بما يترسخ فيها.

ولذلك كانت أكثر الأعمال أثرًا، أقلها ضجيجًا.

ولعل الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يريد أن يرى ثمرة الغرس، قبل أن يطمئن إلى سلامة الجذور. فإذا تأخر الحصاد، ظن أن الأرض قد خذلته، ولم يعلم أن الأرض لا تخون أحدًا، وإنما تُربي الصابرين عليها.

وكم من قلب أفسدته العجلة، لا لأنه عجز عن الوصول، بل لأنه لم يحتمل هدوء الطريق.

فالنفوس المستعجلة لا ترى في البطء إلا تأخرًا، أما النفوس البصيرة فتراه اكتمالًا لا يولد إلا على مهل.

ولهذا كان أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل؛ لأن الدوام لا يقيس العمل بحجمه، وإنما بصدق صاحبه. فالعمل الذي يعود كل يوم، ولو كان يسيرًا، يشبه نبض القلب؛ لا يلفت الأنظار، لكنه لو توقف لحظةً لاختلّت الحياة.

وما أكثر ما نهدم بأيدينا، لأننا نستكثر البدايات، ونستقل الخطوات الصغيرة.

نبحث عن الإنجاز الذي يُدهش الناس، ونغفل عن العمل الذي يُهذب الروح.

نحسب أن العظمة في القفزات، بينما الحقيقة أنها تسكن في الخطوات التي لا تنقطع.

وليس السؤال الذي ينبغي أن يشغل الإنسان: متى أصل؟

فذلك سؤال الزمن.

ولكن السؤال الأصدق: من سأكون وأنا أسير؟

فذلك سؤال العمر.

لأن الوصول حادثة، أما الاستمرار فهو هوية.

وما أبعد الفرق بين من يبلغ المكان، ومن يصير أهلًا له.

إن الله لا يربّي عباده بالنتائج وحدها، وإنما يربّيهم بالطريق إليها. فكثيرًا ما تكون الغاية وسيلة، ويكون المقصود الحقيقي هو القلب الذي خرج من الطريق غير القلب الذي دخله.

فالسنون لا تزيد الإنسان عمرًا فحسب، بل تمنحه ـ إن أحسن السير ـ بصيرةً لا تُشترى، وسكينةً لا تُستعار، ويقينًا لا يُولد إلا بعد طول مجاهدة.

وربما لهذا كانت بعض الأمنيات إذا جاءت متأخرة، أجمل مما لو جاءت مبكرة؛ لأنها لم تجد القلب كما كان، بل وجدته قد اتسع لها، ونضج بمعاناته، وصار يعرف أن قيمة النعمة ليست في امتلاكها، بل في استحقاقها.

إن الاستمرارية ليست أن تكرر الأيام حتى تتشابه، وإنما أن تسمح للأيام أن تُهذب روحك، دون أن تنتزع منك وجهتك.

هي أن تعود بعد الفتور.

وأن تقوم بعد العثرة.

وأن تُصلح ما انكسر، دون أن تجعل الانكسار عذرًا للرحيل.

فالذين يغيّرون العالم، لم يكونوا دائمًا أصحاب الخطوات الكبرى، وإنما كانوا أصحاب القلوب التي لم تيأس من الخطوة التالية.

ولهذا، لا تبحث عن العمل الذي يملأ الأسماع، بل عن العمل الذي يملأ صحيفتك.

ولا تسأل نفسك: كم بقي من الطريق؟

بل اسألها في كل مساء: هل كنت اليوم أوفى لله من الأمس؟ وهل اقترب قلبي، ولو خطوة، ممن خلقه؟

فإن الخطوات التي تُرفع لله لا تضيع، وإن خفيت عن أعين الناس.

وإن السير إليه لا يُقاس بسرعة القدم، بل بثبات القلب.

وهكذا تُصنع الحياة…

لا بضجيج البدايات، بل بسكينة الاستمرار.

ولا بكثرة الخطوات، بل بصدقها.

ولا بعظمة ما نبدأ به، بل بعظمة ما لا نتخلى عنه.

اخيرا

فالاستمرارية الهادئة ليست عادةً تُكتسب، وإنما مقامٌ من مقامات النفس؛ إذا بلغته، لم تعد تمضي لأن الطريق سهل، بل لأن وجهتك أصبحت أعظم من كل تعب، ولأنك أيقنت أن أجمل الوصول… هو أن تلقى الله، وما انقطع بينك وبينه سير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى