حمود الصهيبي يكتب لـ”درة” | العلم في منظوره الجديد

في زمن يموج فيه الجدل بين العلم والدين، وبين المادة والروح، يصدر كتاب “العلم في منظوره الجديد” للمؤلفين روبرت م. أغروس، عالم الفيزياء النظرية، وجورج ن. ستانسيو، فيلسوف العلوم، ليقدم مشروعاً فكرياً طموحاً لا يقل أهمية عن أي اكتشاف علمي في القرن العشرين. صدر الكتاب ضمن سلسلة “عالم المعرفة” عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، بترجمة الدكتور كمال خلايلي، ليصل إلى القارئ العربي في لحظة كان فيها بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في العلاقة بين العلم ورؤيته للوجود. وما يميز هذا الكتاب أنه ليس مجرد عرض أكاديمي جاف، بل محاولة جريئة لتقويض الأسس التي قامت عليها النظرة العلمية المادية التي هيمنت على الفكر الغربي منذ نيوتن، إذ يطرح المؤلفان سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للعلم أن يبقى محايداً، أم أن كل تفسير علمي للواقع يحمل في طياته رؤية كونية وموقفاً فلسفياً مسبقاً؟ للإجابة، يبنيان أطروحتهما على مقارنة منهجية بين ما يسميانه “النظرة القديمة” و”النظرة الجديدة”.
تخيل معي عالماً يسير كآلة دقيقة، كل شيء فيه محسوب مسبقاً، والإنسان مجرد ترس في هذه الآلة. هذه هي النظرة العلمية القديمة التي ولدت مع نيوتن واستمرت حتى نهاية القرن التاسع عشر، وكانت رد فعل على هيمنة الفلسفة المدرسية المسيحية التي وصلت إلى التحجر العقلي. في هذا الإطار، كانت المادة تُرى كجسيمات صلبة غير قابلة للاختراق، موجودة في مكان وزمان مطلقين، أما العقل فلم يكن أكثر من منتج ثانوي للعمليات المادية في الدماغ. يستخدم المؤلفان تشبيهاً بليغاً: العقل بالنسبة للجسد مثل صفير البخار الذي يرافق حركة القاطرة دون أن يؤثر عليها، وكان الماديون يعتقدون أن الأمر مجرد مسألة وقت حتى يتمكن العلم من تفسير كيف “تفرز” المادة العقل، كما تفرز المعدة العصارة الهضمية. هذه النظرة لم تقتصر على الفيزياء، بل امتدت لتشمل علم النفس والفلسفة، فاختزلت الإنسان في “آلة عضوية”، وسلوكه في دوافع وغرائز حيوانية بحتة، وكانت النتيجة، كما يرى الكتاب، الإلحاد والاستهتار بكل القيم الأخلاقية والروحية.
في مطلع القرن العشرين، بدأت تتكسر جدران هذا السجن المادي، ومع اكتشافات النسبية وميكانيكا الكم، ظهرت نظرة علمية جديدة كان من ألمع روادها أينشتاين وهايزنبرغ وبور. هذه النظرة الجديدة لم تكتفِ بتصحيح أخطاء النظرة القديمة، بل فتحت آفاقاً جديدة لفهم الوجود. ففي الفيزياء، هدمت النسبية مفهوم المكان والزمان المطلقين، وأظهرت اعتمادهما على موقع الراصد وظروفه، وفي علم الأعصاب، أثبتت أبحاث علماء مثل شيرينغتون وإكلس وسبيري أن الأنشطة العقلية والإدراكية لا يمكن تفسيرها كلياً بالعمليات الفيزيائية-الكيميائية للدماغ، وأن ثمة “شعوراً يتجاوز ما هو مادي عصبي”. أما في علم الكون فكانت المفاجأة الأكبر، إذ أجمعت آراء كبار علماء الفيزياء النووية والكوزمولوجيا على أن المادة ليست أزلية، وأن الكون في تطور وتمدد مستمرين، والأكثر إثارة للدهشة هو “المبدأ الإنساني” الذي يشير إلى أن قوانين الفيزياء في كوننا مهيأة بدقة مذهلة لظهور الحياة، وكما قال الفيزيائي فريمان دايسن: “كلما ازددت دراسةً للكون، وجدت مزيداً من الأدلة على أن الكون كان يعرف بطريقةٍ ما أننا قادمون”. هذه الاكتشافات دفعت علماء كبار إلى الدعوة “للإيمان بعقل أزلي يدبر هذا الكون”، ولم يكن ذلك رجوعاً إلى خرافات الماضي، بل استنتاجاً منطقياً من معطيات العلم الحديث نفسه.
من أكثر الجوانب إثارة في الكتاب تناوله لمفهوم الجمال والإله، ففي النظرة القديمة كان الجمال مجرد انطباع ذاتي في عقل المراقب، لا علاقة له بالحقيقة الموضوعية، أما في النظرة الجديدة فيؤكد المؤلفان أن الجمال مبدأ موضوعي في الطبيعة يهدي العلماء في اكتشافاتهم، وقد قال الفيزيائي لويس دي برويلي إن الجمال كان دليلاً لهم في طريقهم نحو الحقيقة. وبخصوص الإله، فإن الكتاب لا يقدم إجابة دينية بقدر ما يقدم قراءة فلسفية للنتائج العلمية، فإذا كان الكون قد بدأ من لا شيء، وإذا كانت قوانينه مضبوطة بدقة متناهية، وإذا كان العقل البشري قادراً على فهم هذا الكون المعقد، فهل من المعقول أن يكون كل هذا نتاج صدفة عمياء؟ ربما كان أخطر ما في النظرة القديمة هو نظرتها إلى الإنسان، فباختزاله إلى آلة غريزية، كما فعل فرويد، أصبح الصراع مع الحضارة قدراً محتماً، أما النظرة الجديدة فتعيد للإنسان كرامته، وتؤسس لعلم نفس جديد يعترف بالعقل والقيم الأخلاقية والجمالية والروحية كحقائق أساسية، ويميز المؤلفان بين “السلع المادية” التي تسبب التنافس، و”السلع الروحية” كالعدل والشجاعة التي هي مشتركة وتعزز التعاون.
لكل أطروحة قوة، ولكل فكرة ثمن، ورغم قوة حجاج المؤلفين فإن الكتاب ليس بمنأى عن النقد، فالتصنيف الثنائي الحاد بين “قديم” و”جديد” قد يخفي التنوع والتعقيد في المشهد الفكري، كما أن اختيار الأدلة قد يكون انتقائياً إذ يتجاهل الكتاب وجود علماء معاصرين بارزين لا يزالون يتبنون تفسيرات مادية-اختزالية، والأهم أن تحويل الاستنتاجات العلمية إلى قضايا ميتافيزيقية يظل خطوة استدلالية قابلة للنقاش الفلسفي. ورغم ذلك، يخرج قارئ “العلم في منظوره الجديد” بانطباع قوي بأن العلم الحديث، بعيداً عن أي تعصب، لم يعد حكراً على النظرة المادية، بل فتح أبواباً جديدة للتأمل في أسرار الوجود، والكتاب ليس دعوة للعودة إلى دوغمائية دينية قديمة، بل محاولة جادة لإظهار كيف أن الاكتشافات العلمية ذاتها تدفعنا إلى نظرة كونية أكثر تواضعاً واتساعاً. يصر المؤلفان في النهاية على أن الإنسان ليس مجرد جسد فانٍ، بل هو كائن روحاني، وأن الكون الذي نعيش فيه يحمل في ثناياه دلائل على عقل وهدف، وفي زمن تهيمن فيه المادية على كل شيء، يأتي هذا الكتاب كتذكير بأن العلم، في أرقى تجلياته، ليس عدواً للروح، بل هو طريق آخر لفهم عمق الوجود ومعنى الحياة.