خالد العمار يكتب لـ “درة”| الاتصال .. حين يُصنع الأثر

ليست كل مؤسسة تخسر عملاءها بسبب ضعف خدماتها، فبعضها يخسرهم لأنها لم تُحسن شرح ما تفعله. وقد يبدو هذا الحكم قاسيًا للوهلة الأولى، لكنه يعكس واقعًا يتكرر في كثير من المؤسسات التي تبذل جهودًا كبيرة في تطوير منتجاتها وخدماتها، بينما تغفل عن بناء جسور التواصل مع جمهورها. فالإنجاز الذي لا يصل إلى الناس، أو يصل إليهم بصورة مشوشة، يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته مهما بلغت جودته.
اعتادت بعض المؤسسات أن تنظر إلى الاتصال المؤسسي باعتباره وظيفة مساندة، مهمتها إصدار البيانات الصحفية، وتغطية المناسبات، وإدارة حسابات التواصل الاجتماعي. غير أن هذا الفهم لم يعد ينسجم مع طبيعة العصر، حيث أصبحت السمعة تُبنى لحظة بلحظة، وتتأثر بكل تجربة يعيشها العميل، وبكل رسالة تصدر عن المؤسسة، بل وحتى بما تختار المؤسسة ألا تقوله.
ولأن الثقة لا تُشترى، فإنها لا تُصنع بالشعارات ولا بالحملات الإعلانية ، بل تتشكل عبر تراكم المواقف؛
عندما تفي المؤسسة بوعودها، وتعترف بأخطائها، وتشرح قراراتها، وتتعامل مع جمهورها باعتباره شريكًا في النجاح لا مجرد متلقٍ للمعلومات وفي المقابل، فإن الصمت في اللحظات الحرجة، أو الرسائل المتناقضة، أو المبالغة في تصوير الإنجازات، كلها عوامل تستنزف رصيد الثقة الذي قد يستغرق بناؤه سنوات.
لقد غيّرت المنصات الرقمية قواعد الاتصال. فلم تعد المؤسسة هي الصوت الوحيد الذي يروي قصتها، بل أصبح لكل عميل منصة، ولكل موظف رأي، ولكل تجربة فرصة للانتشار. وفي هذا الواقع الجديد، لم يعد السؤال: ماذا سننشر اليوم؟ بل أصبح: كيف سنجعل تجربتنا تتحدث عنا قبل أن تتحدث منصاتنا؟
ومن هنا، فإن الاتصال المؤسسي لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح أداة لفهم الجمهور، واستشراف توقعاته، وشرح القرارات، وإدارة السمعة، وصناعة الثقة. والمؤسسة التي تنجح في هذا الدور لا تتحدث أكثر من غيرها، وإنما تتحدث بوضوح، وتنصت بصدق، وتلتزم بما تعد به.
والمفارقة أن بعض المؤسسات تستثمر ملايين الريالات في التسويق، بينما لا تستثمر الوقت الكافي في تحسين تجربة العميل. والحقيقة أن أفضل حملة إعلامية لا تستطيع إقناع الناس بما يناقض تجربتهم، كما أن تجربة إيجابية واحدة قد تكون أبلغ أثرًا من عشرات الإعلانات ، فالصورة الذهنية لا تُصنع في قاعات الاجتماعات، بل تُصنع في نقاط التماس اليومية بين المؤسسة وجمهورها.
وفي المملكة العربية السعودية، حيث تتسارع وتيرة التحول، وتزداد توقعات المستفيدين من الخدمات العامة والخاصة، أصبحت الحاجة إلى اتصال مؤسسي ناضج أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فنجاح المبادرات لا يكتمل بإطلاقها، بل يكتمل عندما يفهمها الناس، ويثقون بأهدافها، ويشعرون بأنها تُحدث فرقًا حقيقيًا في حياتهم.
إن المؤسسات لا تُقاس فقط بما تنجزه، بل أيضًا بقدرتها على تحويل الإنجاز إلى قيمة يدركها المجتمع. فالتواصل ليس ترفًا إداريًا، ولا نشاطًا تجميليًا، بل مسؤولية استراتيجية تحمي السمعة، وتعزز الثقة، وتمنح المؤسسة القدرة على الاستمرار في بيئة لا ترحم الغموض.
ولعل الحقيقة التي ينبغي أن نتوقف عندها هي أن المؤسسات لا تخسر جمهورها دائمًا لأنها أخفقت في الأداء، بل لأنها أخفقت في بناء الفهم. وبين الأداء والفهم، وبين الرسالة والاستقبال، تُولد الثقة… أو تضيع .
———————————-
خبير في الاتصال المؤسسي