القيادة أثر يبقى ..!

يقاس القائد بما يتركه من أثر، لا بما يحمله من مسمّى. فالمسمى الوظيفي قد يمنح صاحبه صلاحية اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه بالضرورة القدرة على التأثير في الآخرين. ولهذا قد نجد مديرين يشغلون المنصب نفسه، ويمتلكون الصلاحيات ذاتها، لكن الفارق بينهما يظهر بوضوح في الفرق التي يعملون معها؛ أحدهما يترك خلفه موظفين أكثر ثقة وقدرة على المبادرة، والآخر يترك فريقًا ينتظر التعليمات ويخشى الخطأ.
تشير أبحاث مؤسسة Gallup إلى أن المدير أو قائد الفريق يرتبط بما لا يقل عن 70% من التباين في مستويات انخراط الموظفين داخل فرق العمل، وهو ما يعكس حجم التأثير الذي يمكن أن تمارسه الممارسة القيادية اليومية على تجربة الموظف.
ومن هنا، فإن الحديث عن تطوير القيادات لا ينبغي أن يتوقف عند حصول المدير على شهادة أو حضوره برنامجًا تدريبيًا، بل يجب أن يمتد إلى ما يحدث بعد انتهاء البرنامج. فالقيمة الحقيقية للتدريب تظهر عندما تتحول المعرفة إلى سلوك، والسلوك إلى ممارسة، والممارسة إلى أثر يمكن أن يلمسه الفريق.
وتشير دراسات في مجال تطوير القيادة إلى أن البرامج تكون أكثر فاعلية عندما ترتبط بواقع العمل، وتتيح للقادة تطبيق ما تعلموه في مواقف حقيقية، مع وجود متابعة ودعم يساعدان على تحويل التعلم إلى ممارسات مستمرة.
ولذلك فإن السؤال الأهم بعد تدريب المدير ليس: هل حضر البرنامج؟ وإنما: ماذا تغير بعده؟ هل أصبح أكثر قدرة على الاستماع؟ هل أصبحت ملاحظاته أكثر وضوحًا؟ هل أصبح يمنح فريقه مساحة أكبر للمبادرة؟ هل تغيرت طريقته في التعامل مع الأخطاء؟ وهل أصبح الموظفون يشعرون بأنهم أمام قائد يساعدهم على النمو، وليس مجرد مدير يراقب أداءهم؟
القائد الحقيقي لا يجعل فريقه يعتمد عليه في كل صغيرة وكبيرة، بل يعمل على بناء القدرة داخل الفريق. فهو لا يحتكر المعرفة، ولا يرى في نجاح الموظف تهديدًا لمكانته، بل يعتبر نمو أفراد فريقه امتدادًا لنجاحه هو. ولهذا يمكن أن يكون أفضل مؤشر على نجاح القائد هو ما يحدث للفريق عندما لا يكون موجودًا؛ هل تتوقف الأمور بغيابه، أم يستمر العمل لأن الأشخاص الذين عمل معهم أصبحوا أكثر قدرة واستقلالية؟
وفي نهاية المطاف، قد يتغير المسمى الوظيفي، وقد ينتقل القائد من إدارة إلى أخرى، وقد ينتهي منصبه، لكن ما يبقى هو الأثر. سيذكر الموظفون الطريقة التي عوملوا بها، والثقة التي مُنحت لهم، والفرص التي حصلوا عليها، وربما يتذكر أحدهم موقفًا صغيرًا من مديره كان سببًا في تغيير نظرته إلى نفسه وقدراته.
لهذا، فإن القيادة ليست عدد الأشخاص الموجودين تحت إدارتك، ولا عدد القرارات التي وقّعت عليها، ولا حجم الصلاحيات التي تملكها. القيادة هي قدرتك على أن تجعل الأشخاص من حولك أكثر قدرة وثقة ونضجًا مما كانوا عليه قبل أن تعمل معهم.
فالقائد لا يُقاس بما كان يملكه من سلطة، بل بما تركه من أثر بعد أن غادر