الجفاف العاطفي… حين يعيش الإنسان بلا دفء

تحدث الأستاذ محمد ودي الحجر، أحد خريجي القانون والمهتم بالشؤون الاجتماعية، عن زاوية مهمة قد تغيب عن كثير من المهتمين بالشأن الأسري والمجتمع الإنساني، وهي الجفاف العاطفي؛ ذلك الشعور الصامت الذي لا يُرى، لكنه يترك أثرًا عميقًا في النفس والعلاقات.
الجفاف العاطفي لا يعني بالضرورة غياب الناس من حولنا، فقد يعيش الإنسان بين أسرته وأصدقائه، لكنه يفتقد كلمة حانية، واحتواءً صادقًا، وسؤالًا نابعًا من القلب.
ويرى الحجر أن مظاهر التعبير العاطفي تختلف باختلاف البيئات. ففي بعض المدن الحديثة، ومع تسارع الحياة والانشغال بالعمل والماديات، قد تتراجع مساحة التعبير عن المشاعر، فيصبح التواصل أكثر عملية وأقل حميمية.
وفي المقابل، تبدو مظاهر الألفة والتراحم والتقارب أكثر وضوحًا في بعض البيئات البدوية والريفية؛ فالجار يعرف جاره، والفرح جماعي، والحزن جماعي، والسؤال عن الآخر عادة لا تحتاج إلى موعد. وقد تكفي كلمة حانية أو فنجان قهوة لإعادة الطمأنينة إلى النفس.
والأشد ألمًا أن هناك من كان يعيش وحيدًا طوال الوقت، رغم أنه بين عشيرته وصحابته وأهله وفصيلته التي تؤويه، فلا يعرفون عنه سوى اسمه ورسمه، بينما يعرفه آخرون ويدركون أنه كان عظيمًا ورائعًا ورجلًا يُحتذى به، لكنهم لم يدركوا قيمة وجوده إلا بعد فوات الأوان.
وهنا نحتاج إلى استعادة أشياء بسيطة فقدناها وسط سرعة الحياة: كلمة جميلة، سؤال عن الحال، اهتمام بالآخر، ووقفة صادقة مع من نحب.
فالعاطفة لا تحتاج إلى ثروة ولا إلى حياة مثالية؛ أحيانًا تحتاج فقط إلى قلب حاضر.
وفي زمن أصبحت فيه الرسائل تصل في ثوانٍ، أصبح بعض الناس أبعد عن بعضهم من أي وقت مضى. نعرف أخبار الآخرين من الشاشات، لكننا لا نعرف ماذا يحدث في قلوبهم.
لذلك فإن مواجهة الجفاف العاطفي تبدأ من داخل الأسرة والمجتمع، بإعادة الإنسان إلى مكانته الحقيقية: إنسان له قلب ومشاعر واحتياج إلى الحب والرحمة والاهتمام.
فالمجتمعات لا تُقاس فقط بما تملك من أموال وتقنيات، وإنما بما تملكه من رحمة بين أفرادها، ومودة داخل أسرها، ودفء في علاقاتها.
لا تجعل من تحب يعيش معك سنوات طويلة، ثم يكتشف في النهاية أنه كان وحيدًا طوال الوقت.
[email protected]