عَلَى الجِدارِ بَقَايَا أَنَفاس

بقلم / بشرى محمد الحويطات  

بين العَفَر والصَّمْت، تَنْشأُ للحِساباتِ الغائبةِ مَعالِمُ لا تُرى؛ فالأماكنُ أجسادٌ هامدة، لا يَنْبُضُ فيها حَجَرٌ ولا يَبْتَسِمُ فيها جِدار، حتّى تَمُرَّ بها أطيافُ مَنْ نُحِبّ، فَتَسْكُنَها الرُّوحُ وتُصْبِحَ هي الوَطَن والمَلاذ. ومِنْ هُنا يتجلّى بَيْتُ المَجْنُونِ الخالِد، ليُشَكِّلَ المِعْمارَ العاطِفِيَّ الأوَّلَ لِكُلِّ مَنْ وَقَفَ على طَلَلٍ أو اسْتَسْقى جِدارًا:
أَمُرُّ عَلى الدِيارِ دِيارِ لَيلى أُقَبِّلَ ذا الجِدارَ وَذا الجِدارا
وَما حُبُّ الدِيارِ شَغَفنَ قَلبي وَلَكِن حُبُّ مَن سَكَنَ الدِيارا
مِن هَذِهِ الشَّرارَةِ الأَزَلِيَّة، يَسْكُبُ الشَّاعِرُ (صامد، إبراهيم) لَوْعَتَهُ، فَيَبْدَأُ رِحْلَتَهُ المعجونة بِالوَلَهِ والرَّجاءِ، حِينَ يَلْتَفِتُ إِلى رَفِيقِهِ وَسَنَدِهِ “سَعْد”، يَطْلُبُ مِنْهُ أنْ يَمُرَّ بِهِ على ذَاكَ الحَيِّ الذي يَمْتلِكُ جَلالَ الحُسْنِ وَصَفَاءَهُ. إنَّهُ لا يَبْحَثُ عَنْ نُزْهَةٍ عابِرَة، بَلْ عَنْ طَقْسٍ مِنْ طُقُوسِ الوَفَاء، حَيْثُ يَتَمَنَّى أَنْ يَلْثِمَ جُدْرانَ دَارٍ سَكَنَهَا الحَبِيب، وَأَنْ يَسْتَجْوِبَ زَوايا المَكانِ القَدِيمِ لَعَلَّها تَحْتَفِظُ بِصَدَى صَوْتٍ أو بَقايَا أنْفاس:
مُر يا سعد بي حي سيد المزايين أبي أقبّل جدار دارٍ سكنها
أبي على أطلال ذكرى المحبين اسأل زوايا الحي والدّار عنها
تَتَبَدَّى في هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ شاعِرِيَّةُ التَّوسُّلِ بِالأثَر؛ فالجِدَارُ هُنا لَيْسَ حجارةً وَطِينًا، بَلْ هُوَ شَاهِدٌ حَيٌّ امْتَصَّ دِفْءَ المَنْزِل، وَالزَّوايا لَيْسَتْ حُدُودًا لِلْمَكان، بَلْ هِيَ مُسْتَوْدَعٌ لِلأَسْرارِ وَالذِّكْرَيات. يَسْتَجْدِي الشَّاعِرُ صاحِبَهُ لِيَكُونَ عَوْنًا لَهُ في هَذِهِ الوَقْفَةِ الأَطْلالِيَّة، وَكَأَنَّهُ يَسْتَعِيدُ الرُّوحَ العَرَبِيَّةَ القديمةَ في اسْتِيقافِ الصَّحْبِ لِبُكاءِ المَعالِمِ الخَالِيَة.
ثُمَّ يَتَّسِعُ العَرْضُ لِيَغُوصَ الشَّاعِرُ في عُمْقِ الزَّمَنِ المَطْوِيّ، حَيْثُ يَلْتَقِي غُبارُ المَسافاتِ بِصَمْتِ السِّنِين:
وابا اتذكر ما مضى لي من سنين بماكن(ن) سافي غيابه دفنها
علمي بها في عام واحد وتسعين واليوم مدري وين وجهة وطنها
مدري مع اللي ساكنين البلادين ولّا مع البدوان ساقت ظعنها
يُضْفِي الشَّاعِرُ هُنا بَلاغَةً حَزِينَةً على الغِياب؛ فالغِيابُ ليسَ مُجَرَّدَ مُدَّةٍ زَمَنِيَّة، بَلْ هُوَ “سَافٍ” من الرِّياحِ وَالرِّمالِ العاصِفَةِ التي تَدْفِنُ المَلامِحَ وَتَمْحُو الآثار. يَحْفِرُ الشَّاعِرُ في جِدارِ الزَّمَنِ تاريخًا مُحَدَّدًا يُشِعُّ بالحَسْرَة (عام واحد وتسعين)، ليَغْدُوَ هَذا العامُ الفاصِلَ الحَاسِمَ بَيْنَ حَيَاةٍ كَانَتْ زَاهِيَةً وَبَيْنَ حَيَاةٍ خَاوِيَة. ثُمَّ يَتَمَزَّقُ بالْحَيْرَةِ بَيْنَ أنْ يَكُونَ المَحْبُوبُ قَدِ اسْتَقَرَّ في الحَضَرِ والمُدُن، أَوْ أنَّهُ ارْتَحَلَ مَعَ البَدْوِ الظَّاعِنِينَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ المَطَرَ والعُشْب؛ وهذا التَّرَدُّدُ بَيْن “البلادين” والظعن يَجْعَلُ الحَبِيبَةَ طَيْفًا سارِيًا لا يُسْتَدَلُّ على مَكانِه، ويَحُولُ دُونَ عَوْدَةِ الوَصْل.
وَبَيْنَما يَعْتَقِدُ المَرْءُ أَنَّ هَادِئَ العَيْشِ قَدْ أَنْسَاهُ لَوْعَةَ الماضي، تَأْتِي الذِّكْرَى هُجُومًا خاطِفًا لا يُرَدّ:
ظنيت اني ناسي(ن) والشياطين ساقت لي الذكرى وماضي زمنها
ردّت علي معها غلا طيش عشرين والبسمة اللي دوم تكسب رهنها
يَعْتَرِفُ الشَّاعِرُ بِضَعْفِهِ البَشَرِيّ؛ فَقَدْ كَانَ يُوهِمُ نَفْسَهُ بِالنِّسْيان، ظَانًّا أنَّ مَضِيَّ العُقُودِ كَفِيلٌ بِإِخْمَادِ الجَمْر. لَكِنَّ هَواجِسَ الشَّوقِ (التي عَبَّرَ عَنْها بالـ “شياطين” على طَرِيقَةِ الشُّعَراءِ في نِسْبَةِ طُغْيانِ العَاطِفَةِ إلى قُوى لا قِبَلَ لَهُمْ بِها) ساقَتْ إِلَيْهِ أَيَّامَ صِبَاه. يُسْتَعادُ عُمْرُ العِشْرِين بكلِّ طَيْشِهِ وشَغَفِه، وَتَعُودُ تِلْكَ البَسْمَةُ الأَثِيرَةُ التي كَانَتْ رابِحَةً دَائِمًا، تَكْسِبُ كُلَّ رِهَانٍ على العَاطِفَة، وَتَسْتَلِبُ القَلْبَ دُونَ جِدَال.
وَيَصِلُ العَرْضُ إِلى ذُرْوَةِ التَّسَامِي العاطِفِيّ، حَيْثُ يَمْتَزِجُ اسْتِحالَةُ اللِّقاءِ بِرِفْعَةِ المَقَام:
وش عاد لا من صار وصل المحبين أبعد على الرّحال من دار بنها
تبقى بعيني غير بنت السلاطين مثل الذهب يا اخوي فارق ثمنها
يَسْتَعِيرُ الشَّاعِرُ مَسَافَةَ الإِبْحَارِ والسَّفَرِ إِلى “دار بنها” رمزًا لِلأَمَاكِنِ القَاصِيَةِ والمَسَالِكِ المُمْتَنِعَة، لِيُعَبِّرَ عَنْ صُعُوبَةِ الوُصُول. غَيْرَ أَنَّ هَذا البُعْدَ القاسِيَ لا يُسْقِطُ قِيمَةَ المَحْبُوبِ في عَيْنَيْهِ، بَلْ يُعَظِّمُهَا؛ فَهِيَ لَيْسَتْ أُنْثَى العَادِيِّين، وَلا هي مُجَرَّدَ امْرَأَةٍ تُشْبِهُ غَيْرَها، بَلْ هي كـ “بَنَاتِ السَّلاطِينِ” في سُمُوِّها، وكـ “الذَّهَبِ” في نَفاسَتِهِ ونَقائِهِ الذي يَفْرُقُ عَنْ كُلِّ مَعْدَنٍ رَخِيص. إنَّها غَالِيَةُ المَهْر، مَنِيعَةُ المَنَال، يَبْقَى حُبُّهَا ثابِتًا رَغْمَ نوائب الدَّهْر.
وفي غَمْرَةِ هَذا الشَّجَنِ المثقل بالذِّكْرى، يَسْكُنُ النَّصُّ إِلى جَلالِهِ الخَاصّ؛ لِيَقُولَ لَنا إنَّ العُمُرَ وإنْ أَمْعَنَ في الفِرَاق، وَإنْ غَيَّرَتِ الأَيَّامُ مَلامِحَ الأَحْياءِ وَالأَمَاكِن، سَيَبْقَى لِلْوَفاءِ عَرْشُهُ الذي لا يَتَزَعْزَع. لَمْ يَكُنْ كَلامُ الشَّاعِرِ (صامد، إبراهيم) مُجَرَّدَ رَثاءٍ لِعَهْدٍ خَالٍ، بَلْ كانَ عَبَقًا يَتَضَوَّعُ مِنْ بَيْنِ حِجَارَةِ الحَيّ، وَدَلِيلاً على أَنَّ القُلُوبَ الصَّادِقَةَ تَظَلُّ حَافِظَةً لِلْعَهْد، تَسْتَسْقِي الظِّلالَ كُلَّما أَلَحَّ العَطَش. تَرْحَلُ الدِّيارُ، وتَتَبَدَّلُ الخُطُوطُ في الخَرائِط، وَتَمْضِي سَنَواتُ العُمْرِ كأَنَّها لَمْ تَكُن، لَكِنَّ حُبًّا سَكَنَ الحيطان يَوْمًا لا يَمُوت، يَبْقَى كَنُورٍ دَافِئٍ يَسْرِي في الجُدْرَان، أَوْ كَقَطْرَةِ نَدًى مَعَلَّقَةٍ على جِدارٍ شَدِيدِ القَسْوَةِ، تُذَكِّرُ العَابِرِينَ بِأَنَّ هُنا قد كَانَتِ الحَياة. بشرى الحويطات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى