اليوم الوطني في ظل رؤية 2030: من ذكرى التوحيد إلى عهد المستقبل

في ظل رؤية المملكة العربية السعودية 2030، لم يعد اليوم الوطني مجرد ذكرى تاريخية لاستعادة الرياض وتوحيد البلاد، بل أصبح محطة سنوية نستحضر فيها مسيرة الوطن، ونقيس من خلالها المسافة التي قطعها نحو المستقبل.
ووفقًا للتقرير السنوي لرؤية 2030 لعام 2024، فإن 85% من مبادرات الرؤية، البالغ عددها 1,502 مبادرة، تسير على المسار الصحيح، منها 674 مبادرة مكتملة و596 مبادرة قيد التنفيذ، إلى جانب تحقيق 8 مستهدفات قبل موعدها بست سنوات. ويعكس هذا الزخم التنموي تحولًا نوعيًا في مفهوم الاحتفاء باليوم الوطني، الذي أصبح مناسبة للفخر بالماضي، واستعراض منجزات الحاضر، واستشراف ملامح المستقبل.
من التوحيد إلى بناء الدولة
في 23 سبتمبر 1932م، أعلن الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود توحيد المملكة العربية السعودية، لتبدأ رحلة بناء دولة استمدت قوتها من وحدة الصف، وثبات المبادئ، والتمسك بهويتها وقيمها.
وعلى مدى العقود التالية، توالت فصول العطاء والتنمية، حتى أصبحت المملكة قوة إقليمية ودولية لها مكانتها السياسية والاقتصادية والثقافية. ومع إطلاق رؤية السعودية 2030، دخلت مسيرة البناء مرحلة جديدة، جعلت الإنسان محورًا للتنمية، وفتحت آفاقًا واسعة للريادة والابتكار والاستثمار.
رؤية تصنع المستقبل
تقوم رؤية 2030 على ثلاثة محاور رئيسية: مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، مستندة إلى مكامن القوة التي تتمتع بها المملكة، وفي مقدمتها عمقها العربي والإسلامي، وقوتها الاستثمارية، وموقعها الاستراتيجي.
ومنذ انطلاقها، أحدثت الرؤية تحولات نوعية في عدد من المجالات، من تنويع الاقتصاد وتمكين الكفاءات الوطنية، إلى تطوير الخدمات والارتقاء بجودة الحياة، وتعزيز حضور المملكة على المستويين الإقليمي والدولي.
من الطموح إلى الإنجاز
لم تقتصر رؤية 2030 على وضع الطموحات والأهداف، بل تحولت إلى برامج ومشروعات ومنجزات يلمس المواطن والمقيم آثارها في مختلف المجالات.
فقد تجاوز عدد السياح 100 مليون زائر، متخطيًا مستهدف عام 2030 مبكرًا، كما سُجلت 8 مواقع سعودية في قائمة التراث العالمي لليونسكو.
وارتفع عدد المتطوعين إلى 1.2 مليون متطوع، متجاوزًا مستهدف المليون متطوع، فيما بلغت نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل 33.5%، متخطية مستهدف 30%.
وفي مجال التحول الرقمي، تقدمت المملكة 32 مرتبة في مؤشر المشاركة الإلكترونية لتصل إلى المرتبة السابعة عالميًا.
أما في مجال جودة الحياة والإسكان، فقد ارتفعت نسبة تملك المساكن بين الأسر السعودية من 47% عام 2016 إلى 65.4%، متجاوزة مستهدف 2025، مع أكثر من 850 ألف أسرة أصبحت مالكة لمنزلها بنهاية عام 2024.
وفي الجانب الاستثماري، تضاعفت الأصول المدارة من صندوق الاستثمارات العامة لتصل إلى 3.53 تريليون ريال، فيما بلغت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي 47%.
«عزّنا بطبعنا»… هوية راسخة ومستقبل طموح
ويجسد شعار اليوم الوطني «عزّنا بطبعنا» هوية المجتمع السعودي وقيمه الأصيلة؛ فالكرم والشجاعة والأصالة ليست مجرد صفات متوارثة، بل منظومة قيم حية أسهمت في تشكيل الشخصية السعودية، وصناعة وطن يعتز بتاريخه وينطلق بثقة نحو آفاق أرحب.
وفي ظل رؤية 2030، أصبح الاحتفاء باليوم الوطني مساحة للتعبير عن الانتماء، وفرصة لغرس معاني الوطنية في نفوس الأجيال الجديدة، من خلال التعريف بتاريخ المملكة وإنجازاتها، وتعزيز الاعتزاز بما تحقق، وتحفيز الأجيال القادمة على مواصلة مسيرة البناء.
كما تجاوز الاحتفاء باليوم الوطني حدود المناسبة المحلية، ليصبح رسالة إلى العالم بأن المملكة تسير بخطى واثقة نحو المستقبل، مستندة إلى تاريخ عريق وقيم راسخة، ومنفتحة على الشراكات الدولية التي تعزز مكانتها كدولة فاعلة ومؤثرة على الساحة العالمية.
نحو مئوية جديدة
وتشير المؤشرات إلى أن المملكة تتجه نحو مئوية اليوم الوطني وهي تواصل تحقيق نتائج نوعية على محاور رؤية 2030؛ فالمجتمع الحيوي يتعزز من خلال تحسين جودة الحياة، وزيادة متوسط العمر الصحي، وارتفاع معدلات ممارسة الرياضة، فيما يواصل الاقتصاد المزدهر مسيرته نحو تنويع مصادر الدخل وتعزيز الاقتصاد غير النفطي.
أما الوطن الطموح، فيتطلع إلى مزيد من الشفافية والتمكين، وتعزيز كفاءة المؤسسات، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص.
وتتركز التطلعات المقبلة على تعزيز الاقتصاد غير النفطي، والارتقاء بالقطاع السياحي ليكون رافدًا أساسيًا للاقتصاد الوطني، وتطوير التعليم والتقنية، وتعزيز مكانة المملكة كمحور عالمي للربط اللوجستي، ومركز للابتكار في مجالات الطاقة والذكاء الاصطناعي والتقنيات المستقبلية.
اليوم الوطني… عهد يتجدد
وهكذا، فإن اليوم الوطني في ظل رؤية 2030 ليس مجرد وقوف عند ذكرى عابرة، بل هو منصة للانطلاق نحو المستقبل.
فبين أمسٍ مجيد، وحاضرٍ زاخر بالإنجازات، وغدٍ يحمل طموحات أكبر، يظل المواطن السعودي شريكًا أساسيًا في صناعة الحكاية، والحفاظ على مكتسبات الوطن مسؤولية مشتركة، والمشاركة في مسيرة التنمية واجبًا وطنيًا.
وبهذا المعنى، يتحول اليوم الوطني من تاريخ يُسجّل إلى عهدٍ يتجدد؛ عهدٍ بمواصلة البناء، وتعزيز الازدهار، وحماية المكتسبات، وصناعة مستقبل يليق بالمملكة العربية السعودية ومكانتها وطموحات أبنائها.
———————————-
رئيس اللجنة الوطنية للاستقدام في المملكة